ماء حميما فقطع امعائهم

ماء حميما فقطع امعائهم

يقول سبحانه وتعالي (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ) ( محمد 15 ) .

 

مختصر اقوال المفسرين في هذه الآية

مثل الجنة التي وعد المتقون   أي صفتها وقرأ أمثال الجنة  أي صفاتها,

فيها أنهار من ماء غير آسن   غير متغير اللون والريح والطعم يقال اسن الماء اذا تغير طعمه وريحه اسن مكى , وأنهار من لبن لم يتغير طعمه   كما تتغير ألبان الدنيا الى الحموضة وأنهار من خمر هو الا للتلذذ الخالص ليس معه ذهاب عقل ولا خمار ولا صداع ولا آفة وأنهار من عسل مصفى   لم يخرج من بطون النحل فيخالطه الشمع وغيره   وجاء عن ابن عباس أن لبن تلك الأنهار لم يحلب , ولهم فيها مع ما ذكر من فنون الأنهار   من كل الثمرات   أي أنواع كل الثمرات , ومغفرة   ونعيم وجل وقد يقال المراد بالمغفرة هنا ستر ذنوبهم , ليس كمن هو خالد في النار   والمعنى أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد في النار يشرب من ماء حميما   أي حارا شديد الحرارة , والأمعاء جميع ما في البطن المقيم , وسقوا ماء حميما   أي حارا شديد الغليان إذا أدنى منهم شوى وجوههم ووقعت فروة رؤوسهم فإذا شربوه قطع أمعاءهم وأخرجها من دبورهم والأمعاء جمع معي والتثنية معيان وهو جميع ما في البطن من الحوايا.

 

التفسير العلمي والاعجاز القرآني لهذه الآية

يذكر سبحانه وتعالي لنا صفة من صفات الجنة ويقدمها للمقارنة مع صفة من في نار جهنم فيبتدأ يذكر ما هو ممتع في الجنة فأولها الماء ولا حاجة لبيان مدى المتعة عند ذكر ماء الأنهر فالإنسان سيحس بالانشراح وهذا يعرفه حتى البسطاء من الناس ، ثم ان الماء الزلال له رائحة طيبة ، وهناك انهار من الحليب الذي لا يتغير طعمه بل يبقي وكأنك حلبته للتو من ناقة أو بقرة ، وأنهار من خمر لذة للشاربين فيها معني اللذة وليس فيها معني ذهاب العقل ، وفيها لمن يهوى الحلو من الطعام وأكيد انه سيهواه ففيها العسل المصفى الذي يجلب من ينظر إليه ، طبعاً هذ إضافة لما يشتهي الإنسان ويتمني من كل أنواع الثمار التي خطرت أو لم تخطر على بال بشر ، هذه النعم معها إحساساً بالاطمئنان فهناك مغفرة من الله سبحانه وتعالى ولا حساب ، نعمة ولا عتاب مما يعطي اطمئنانا للإنسان أنه غير ممنوع ولا مراقب وأن هذه النعمة دائمة لا تقل ولا تزول ، فهل هذا يستوي مع من هو في نار مظلمة يشرب ماءاً ساخناً مخلوطا بالصديد والدم و فضلات حروق الجلد وفيه نتانة القيح الذي يأتي من فروج المومسات والرائحة الكريهة والطعم السيء ؟ إضافة إلى الغضب الظاهر بغلظة ملائكة النار و زعيقهم على الكفار ثم يشربون من هذا الماء المغلي هل يستوون ؟ وإمعانا من الله سبحانه و تعالي في تبيان العذاب في هذه الآية فقال ( وسقوا ماءاً حميماً فقطع أمعائهم ) وهنا تبيان ان الماء الحميم سوف لن يؤدي إلى آلام وعذاب إذا شرب إلا إذا تمزقت الأمعاء و خرج محتوياتها إلى جوف البطن فإن العلماء وجدوا إن الذي يشرب ساخناً سوف لن يحس بألم ، وقد يكون خطراً ويؤدي إلى الموت ولكن ليس هناك موت في جهنم ، إنما هو عذاب فقط لذلك فالله سبحانه وتعالى يذكر هنا العذاب حيث لم يذكر بعدها إنه سيتعرض لعذاب كما رأينا في الآيات السابقة فلابد إذن أن يصل إلى درجة الألم وهو تمزق الأمعاء وانسكاب محتوياتها في البريتون وهذه الحالة الوحيدة علمياً التي تؤدي إلى آلام شديدة جداً نتيجة لوصول مواد هاضمة وساخنة إلى البريتون الجداري (كايتون للفسلجه ص604 ) والآلام ستكون من الشدة بحيث أن جدار البطن سيتحجر ويتصلب وأن مجرد وضع اليد على البطن يجعل المريض يصرخ ألماً ، ففي كل آية يذكر بها سبحانه وتعالى شرب الحميم او اكل الزقوم لا يذكر بها سبحانه شوي البطون بل ذكر شوي الوجوه وسوء التجرع وعدم امكانية البلع ولكن لم يذكر انه يحرق المعدة او الامعاء بل يذكرها بأسلوب آخر فجعلها تمزق الامعاء ، وتمزق الامعاء هو الحالة الوحيدة التي تؤدي الى الم ان كان في شرب الحميم او اكل الزقوم الذي يغلي في البطون كالماء الساخن جدا ولم يقل سبحانه وتعالى يحرق او يشوي البطون او الامعاء ، أهذا هو الراي الالاهي ام الراي البشري ؟ فراينا ان كلام المفسرين سار بعيدا وليس ككلام الله. طبعاً هذا إضافة إلى أنواع العذاب الأخرى فهل يستوي من في الجنة ومن في النار ؟ لا يستويان .

 

 

اقوال المفسرون في هذه الآية

 

الدر المنثور – السيوطي ج7/ص464

الآية 15 أخرج ابن جريج وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله   أنهار من ماء غير آسن   قال غير متغير وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله   من ماء غير آسن   قال غير منتن وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه   وأنهار من لبن لم يتغير طعمه   قال قال ابن عباس رضي الله عنهما لم يحلب

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله   وأنهار من لبن لم يتغير طعمه   قال لم يخرج من بين فرث ودم   وأنهار من خمر لذة للشاربين   قال لم تدنسه الرجال بأرجلهم   وأنهار من عسل مصفى   قال لم يخرج من بطون النحل

وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الجنة بحر اللبن وبحر الماء وبحر العسل وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار منها بعد

وأخرج الحرث بن أبي أسامة في مسنده والبيهقي عن كعب رضي الله عنه قال نهر النيل نهر العسل في الجنة ونهر دجلة نهر اللبن في الجنة ونهر الفرات نهر الخمر في الجنة

ونهر سيحان نهر الماء في الجنة

وأخرج ابن مردويه عن الكلبي رضي الله عنه في قوله   مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن   الآية قال حدثني أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسرى بي فانطلق بي الملك فانتهى بي إلى نهر الخمر فإذا عليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقلت للملك أي نهر هذا فقال هذا نهر دجلة

فقلت له إنه ماء قال هو في ماء في الدنيا يسقي الله به من يشاء وهو في الآخرة خمر لأهل الجنة قال ثم انطلقت مع الملك إلى نهر الرب فقلت للملك أي نهر هذا قال هو جيحون وهو الماء غير آسن وهو في الدنيا ماء يسقي الله به من يشاء وهو في الآخرة ماء غير آسن ثم انطلق بي فأبلغني نهر اللبن الذي يلي القبلة فقلت للملك أي نهر هذا قال هذا نهر الفرات فقلت هو ماء قال هو ماء يسقي الله به من يشاء في الدنيا وهو لبن في الآخرة لذرية المؤمنين الذين رضي الله عنهم وعن آبائهم ثم انطلق بي فأبلغني نهر العسل الذي يخرج من جانب المدينة فقلت للملك الذي أرسل معي أي نهر هذا قال هذا نهر مصر قلت هو ماء قال هو ماء يسقي الله به من يشاء في الدنيا وهو في الآخرة عسل لأهل الجنة   ولهم فيها من كل الثمرات   يقول في الجنة   ومغفرة من ربهم   يقول لذنوبهم

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي وائل رضي الله عنه قال جاء رجل يقال له نهيك بن سنان إلى ابن مسعود رضي الله عنه فقال يا أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذا الحرف أياء تجده أم ألفا من ماء غير ياسن أو من ماء غير آسن فقال له عبد الله رضي الله عنه وكل القرآن أحصيت غير هذا فقال إني لأقرأ المفصل في ركعة

قال هذا كهذا الشعر إن قوما يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولكن القرآن إذا وقع في القلب فرسخ نفع إني لأعرف النظائر التي كان يقرأ بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم

وأخرج ابن جرير عن سعد بن طريف رضي الله عنه قال سألت أبا إسحق رضي الله عنه عن   ماء غير آسن   قال سألت عنها الحارث فحدثني أن الماء الذي غير آسن تسنيم قال بلغني أنه لا تمسه يد وأنه يجيء الماء هكذا حتى يدخل فمه والله تعالى أعلم

 

 

تفسير البغوي ج4/ص181

مثل الجنة التي وعد المتقون   أي صفتها   فيها أنهار من ماء غير آسن   آجن متغير منتن قرأ ابن كثير   آسن   بالقصر والآخرون بالمد وهما لغتان يقال أسن الماء يأسن أسنا وآسن يأسن وياسن وأجن يأجن وياجن أسونا وأجونا إذا تغير   وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة   لذيذة   للشاربين   لم تدنسها الأرجل ولم تدنسها الأيدي   وأنهار من عسل مصفى   أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر أنا عبدالغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى الجلودي ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبي شيبة أنا أبو أسامة وعبدالله بن نمير وعلي بن مسهر عن عبدالله بن عمر عن حبيب بن عبدالرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة قال كعب الأحبار نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة ونهر الفرات نهر لبنهم ونهر مصر نهر خمرهم ونهر سيحان نهر عسلهم وهذه الأنهار الأربعة تخرج من نهر الكوثر   ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار   أي من كان في هذا النعيم كمن هو خالد في النار   وسقوا ماء حميما   شديد الحر تسعر عليه جهنم منذ خلقت إذا أدني منهم يشوي وجوههم ووقعت فروة رؤوسهم فإذا شربوه   فقطع أمعاءهم   فخرجت من أدبارهم والأمعاء جميع ما في البطن من الحوايا وأحدها معي

 

تفسير البيضاوي ج5/ص192

فيها أنهار من ماء غير آسن   استئناف لشرح المثل أو حال من العائد المحذوف أو خبر لمثل و   آسن   من أسن الماء بالفتح إذا تغير طعمه وريحه أو بالكسر على معنى الحدوث وقرأ ابن كثير أسن   وأنهار من لبن لم يتغير طعمه   لم يصر قارصا و لا حازرا   وأنهار من خمر لذة للشاربين   لذيذة لا يكون فيها كراهة طعم وريح ولا غائلة سكر وخمار تأنيث لذ أو مصدر نعت به بإضمار ذات أو تجوز وقرئت بالرفع على صفة الأنهار والنصب على العلة   وأنهار من عسل مصفى   لم يخالطه الشمع وفضلات النحل وغيرها وفي ذلك تمثيل لما يقوم مقام الأشربة في الجنة بأنواع ما يستلذ منها في الدنيا بالتجريد عما ينقصها وينغصها والتوصيف بما يوجب غزارتها واستمرارها   ولهم فيها من كل الثمرات   صنف على هذا القياس   ومغفرة من ربهم   عطف على الصنف المحذوف أو مبتدأ خبره محذوف أي لهم مغفرة   كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما   مكان تلك الأشربة   فقطع أمعاءهم   من فرط الحرارة

 

تفسير ابن كثير ج4/ص177

قال عكرمة   مثل الجنة   أي نعتها   فيها أنهار من ماء غير آسن   قال بن عباس رضي الله عنهما والحسن وقتادة يعني غير متغير وقال قتادة والضحاك وعطاء الخرساني غير منتن والعرب تقول أسن الماء إذا تغير ريحه وفي حديث مرفوع أورده بن أبي حاتم غير آسن يعني الصافي الذي لا كدر فيه وقال بن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا وكيع عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال قال عبد الله رضي الله عنه أنهار الجنة تفجر من جبل من مسك   وأنهار من لبن لم يتغير طعمه   أي بل في غاية البياض والحلاوة والدسومة وفي حديث مرفوع لم يخرج من ضروع الماشية   وأنهار من خمر لذة للشاربين   أي ليست كريهة الطعم والرائحة كخمر الدنيا بل حسنة المنظر والطعم والرائحة والفعل   لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون     لايصدعون عنها ولا ينزفون     بيضاء لذة للشاربين   وفي حديث مرفوع لم يعصرها الرجال بأقدامهم   وأنهار من عسل مصفى   أي وهو في غاية الصفاء وحسن اللون والطعم والريح وفي حديث مرفوع لم يخرج من بطون النحل وقال الإمام أحمد 55 حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا الجريري عن حكيم بن معاوية عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول في الجنة بحر اللبن وبحر الماء وبحر العسل وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار منها بعد ورواه الترمذي في صفة الجنة 2571 عن محمد بن بشار عن يزيد بن هارون عن سعيد بن أبي إياس الجريري وقال حسن صحيح وقال أبو بكر بن مردويه حدثنا أحمد بن محمد بن عاصم حدثنا عبد الله بن محمد بن النعمان حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا الحارث بن عبيد أبو قدامة الإيادي حدثنا أبو عمران الجوني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هذه الأنهار تشخب من جنة عدن في جوبة ثم تصدع بعد أنهارا وفي الصحيح إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة وفوقه عرش الرحمن وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا مصعب بن إبراهيم بن حمزة الزبيري وعبد الله بن الصفر السكري قالا حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثني عبد الرحمن بن المغيرة حدثني عبد الرحمن بن عياش عن دلهم بن الأسود قال دلهم وحدثنيه أيضا أبي الأسود عن عاصم بن لقيط قال إن لقيط بن عامر خرج وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت يا رسول الله فعلى ما تطلع من الجنة قال صلى الله عليه وسلم على أنهار عسل مصفى وأنهار من خمر ما بها صداع ولا ندامة وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وماء غير آسن وفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون وخير من مثله وأزواج مطهرة قلت يا رسول الله أو لنا فيها أزواج مصلحات قال الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذونكم غير أن لا توالد وقال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا حدثنا يعقوب بن عبيدة عن يزيد بن هارون أخبرني الجريري عن معاوية بن قرة عن أبيه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال لعلكم تظنون أن أنهار الجنة تجري في أخدود في الأرض والله إنها لتجري سائحة على وجه الأرض حافاتها قباب اللؤلؤ وطينها المسك الأذفر وقد رواه أبو بكر بن مردويه من حديث مهدي بن حكيم عن يزيد بن هارون به مرفوعا وقوله تعالى   ولهم فيها من كل الثمرات   كقوله عز وجل   يدعون فيها بكل فاكهة آمنين   وقوله تبارك وتعالى   فيها من كل فاكهة زوجان   وقوله سبحانه وتعالى   ومغفرة من ربهم   أي مع ذلك كله وقوله سبحانه وتعالى   كمن هو خالد في النار   أي أهؤلاء الذين ذكرنا منزلتهم من الجنة كمن هو خالد في النار ليس هؤلاء كهؤلاء وليس من هو في الدرجات كمن هو في الدركات   وسقوا ماء حميما   أي حارا شديد الحر لا يستطاع   فقطع أمعاءهم   أي قطع ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء عياذا بالله تعالى من ذلك

 

تفسير الثعالبي ج4/ص164

وقوله سبحانه مثل الجنة الآية قال النضر بن شميل وغيره مثل معناه صفة كانه قال صفة الجنة ما تسمعون فيها كذا وكذا وقوله   فيها أنهار من ماء غير آسن   معناه غير متغير قاله ابن عباس وقتادة وسواء انتن او ينتن وقوله في اللبن لم يتغير طعمه نفي لجميع وجوه الفساد فيه وقوله لذة للشاربين جمعت طيب الطعم وزوال الآفات من الصداع وغيره وتصفية العسل مذهبة لمومه وضرره   ت   وروينا في كتاب الترمذي عن حكيم بن معاوية عن ابيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ان في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر ثم تشقق الانهار بعد قال ابو عيسى هذا حديث حسن صحيح انتهى وقوله ولهم فيها من كل الثمرات أي من هذه الأنواع لكنها بعيدة الشبه تلك لا عيب فيها ولا تعب وقوله ومغفرة من ربهم معناه وتنعيم اعطته المغفرة وسببته والا فالمغفرة انما هي قبل دخول الجنة وقوله سبحانه كمن هو خالد في النار الآية قبله محذوف تقديره اسكان هذه او تقديره اهؤلاء المتقون كمن هو خالد في النار

 

 

تفسير الجلالين ج1/ص674

مثل أي صفة الجنة التي وعد المتقون المشتركة بين داخليها مبتدأ خبره فيها أنهار من ماء غير آسن بالمد والقصر كضارب وحذر أي غير متغير بخلاف ماء الدنيا فيتغير بعارض وأنهار من لبن لم يتغير طعمه بخلاف لبن الدنيا لخروجه من الضروع وأنهار من خمر لذة لذيذة للشاربين بخلاف خمر الدنيا فإنها كريهة عند الشرب وأنهار من عسل مصفى بخلاف عسل الدنيا فإنه بخروجه من بطون النحل يخالط الشمع وغيره ولهم فيها أصناف من كل الثمرات ومغفرة من ربهم فهو راض عنهم مع إحسانه إليهم بما ذكر بخلاف سيد العبيد في الدنيا فإنه قد يكون مع إحسانه إليهم ساخطا عليهم كمن هو خالد في النار خبر مبتدإ مقدر أي أمن هو في هذا النعيم وسقوا ماء حميما أي شديد الحرارة فقطع أمعاءهم أي مصارينهم فخرجت من أدبارهم وهو جمع معي بالقصر وألفه عن ياء لقولهم ميعان

تفسير السعدي ج1/ص786

   مثل الجنة التي وعد المتقون   أي التي أعدها الله لعباده الذين اتقوا سخطه واتبعوا رضوانه أنها من نعتها وصفتها الجميلة   فيها أنهار من ماء غير آسن   أي غير متغير لا بوخم ولا بريح منتنة ولا بحرارة ولا بكدورة بل هو أعذب المياه وأصفاها وأطيبها ريحا وألذها شربا   وأنهار من لبن لم يتغير طعمه   بحموضة ولا غيرها   وأنهار من خمر لذة للشاربين   أي يلتذ بها لذة عظيمة لا كخمر الدنيا التي يكره مذاقها وتصدع الرأس وتغول العقل   وأنهار من عسل مصفى   من شمعه وسائر أوساخه   ولهم فيها من كل الثمرات   من نخيل وعنب وتفاح ورمان وأترج وتين وغير ذلك مما لا نظير له في الدنيا فهذا المحبوب المطلوب قد حصل لهم ثم قال   ومغفرة من ربهم   يزول بها عنهم المرهوب فهؤلاء خير أم   كمن هو خالد في النار   التي اشتد حرها وتضاعف عذابها   وسقوا   فيها   ماء حميما   أي حارا جدا   فقطع أمعاءهم

تفسير السمرقندي ج3/ص285

قوله تعالى مثل الجنة يعني صفة الجنة التي وعد المتقون الذين يتقون الشرك والفواحش فيها أنهار من ماء غير آسن قرأ ابن كثير من ماء غير أسن بغير مد

والباقون بالمد ومعناهما واحد يعني ماء غير منتن ولا متغير الطعم والريح

وأنهار من لبن لم يتغير طعمه إلى الحموضة كما يتغير لبن أهل الدنيا عن الحالة الأولى

وأنهار من خمر لذة للشاربين يعني لذيذة

ويقال لا يصدعون عنها ولا ينزفون الواقعة 19 وأنهار من عسل مصفى ليس فيها العكر ولا الكدورة ولا الدردى كعسل أهل الدنيا

قال مقاتل هذه الأنهار الأربعة تتفجر من الكوثر إلى أهل الجنة

ويقال من تحت شجرة طوبى إلى أهل الجنة

ولهم فيها من كل الثمرات يعني من ألوان الثمرات ومغفرة من ربهم لذنوبهم في الآخرة

ويقال في الدنيا

كمن هو خالد في النار يعني هل يكون حال من هو في هذه النعم كمن هو في النار أبدا

وسقوا ماء حميما يعني حارا قد انتهى حره فقطع أمعاءهم من شدة الحر فذابت أمعاؤهم كقوله تعالى يصر به ما في بطونهم والجلود الحج 20

 

تفسير السمعاني ج5/ص173

قوله تعالى   مثل الجنة التي وعد المتقون في قراءة علي رضي الله عنه أمثال الجنة التي وعد المتقون والمعنى صفة الجنة التي وعد المتقون أي صفات الجنة التي وعد المتقون ومعناه وعد المتقون من الشرك

وقوله   فيها أنهار من ماء غير الخير آسن أي غير متغير يقال أسن الماء يأسن إذا تغير وأجن يأجن إذا تغير أيضا وإنما قال ذلك لأن الماء يتغير بطول المكث وماء الجنة لا يتغير بطول المكث وقوله   وأنهار من لبن لم يتغير طعمه أي يحمض وإنما قال ذلك لأن اللبن إذا مر عليه الزمان يتغير ويحمض وقد ثبت أن النبي قال أوتيت بإناءين ليلة المعراج في أحدهما خمر وفي الآخر لبن فأخذت اللبن وشربته فقال جبريل عليه السلام أصبت الفطرة من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهارا من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعائهم 15 ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك

ومن المعروف أيضا أن النبي كان إذا أكل طعاما شكر الله تعالى وسأل الله أن يرزقه خيرا منه إلا اللبن فإنه كان إذا شرب اللبن شكر الله تعالى ولم يقل وارزقنا خيرا منه

وقوله   وأنهار من خمر لذة للشاربين واللذة طيبة النفس في الشرب وقد بينا وصف خمر الجنة قبل هذا

وقوله   وأنهار من عسل مصفى أي منقى من الكدر والعكر

ويقال مصفى من الشمع ألا يكون فيه شمع

وقوله   ولهم فيها من كل الثمرات أي الفواكه

وقوله   ومغفرة من ربهم أي العفو من ربهم

وقوله   كمن هو خالد في النار أي من يعطي مثل هذه النعم يكون حاله كحال من هو خالد في النار

وقوله   وسقوا ماء حميما الحميم هو الماء الذي تناهى في الحر وفي التفسير أنه ماء سعرت عليه نيران جهنم منذ خلقت فإذا قربه الكافر إلى وجهه للشرب شوى وجهه وسقطت جلدة وجهه وفروة رأسه

تفسير القرطبي ج16/ص236

قوله تعالى   مثل الجنة التي وعد المتقون   لما قال عز وجل إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات وصف تلك الجنات أي صفة الجنة المعدة للمتقين وقد مضى الكلام في هذا في الرعد وقرأ علي بن أبي طالب مثال الجنة التي وعد المتقون   فيها أنهار من ماء غير آسن   أي غير متغير الرائحة والآسن من الماء مثل الآجن وقد أسن الماء يأسن ويأسن أسنا وأسونا إذا تغيرت رائحته وكذلك أجن الماء يأجن ويأجن أجنا وأجونا ويقال بالكسر فيهما أجن وأسن يأسن ويأجن أسنا وأجنا قاله اليزيدي وأسن الرجل أيضا يأسن   بالكسر لا غير   إذا دخل البئر فأصابته ريح منتنة من ريح البئر أو غير ذلك فغشي عليه أو دار رأسه قال زهير قد أترك القرن مصفرا أنامله يميد في الرمح ميد المائح الأسن ويروى الوسن وتأسن الماء تغير أبو زيد تأسن علي تأسنا اعتل وأبطأ أبو عمرو تأسن الرجل أباه أخذ أخلاقه وقال اللحياني إذا نزع إليه في الشبه وقراءة العامة آسن بالمد وقرأ بن كثير وحميد أسن بالقصر وهما لغتان مثل حاذر وحذر وقال الأخفش أسن للحال وآسن   مثل فاعل   يراد به الاستقبال   وأنهار من لم يتغير طعمه   أي لم يحمض بطول المقام كما تتغير ألبان الدنيا إلى الحموضة   وأنهار من خمر لذة للشاربين   أي لم تدنسها الأرجل ولم ترنقها الأيدي كخمر الدنيا فهي لذيذة الطعم طيبة الشرب لا يتكرهها الشاربون يقال شراب لذ ولذيذ بمعنى واستلذه عده لذيذا   وأنهار من عسل مصفى   العسل ما يسيل من لعاب النحل مصفى أي من الشمع والقذى خلقه الله كذلك لم يطبخ على نار ولا دنسه النحل وفي الترمذي عن حكيم بن معاوية عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال   إن في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار بعد   قال حديث حسن صحيح وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم   سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة   وقال كعب نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة ونهر الفرات نهر لبنهم ونهر مصر نهر خمرهم ونهر سيحان نهر عسلهم وهذه الأنهار الأربعة تخرج من نهر الكوثر والعسل يذكر ويؤنث وقال بن عباس من عسل مصفى أي لم يخرج من بطون النحل   ولهم فيها من كل الثمرات   من زائدة للتأكيد   ومغفرة من ربهم   أي لذنوبهم   كمن هو خالد في النار   قال الفراء المعنى أفمن يخلد في هذا النعيم كمن يخلد في النار وقال الزجاج أي أفمن كان على بينة من ربه وأعطى هذه الأشياء كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار فقوله كمن بدل من قوله أفمن زين له سوء عمله وقال بن كيسان مثل هذه الجنة التي فيها الثمار والأنهار كمثل النار التي فيها الحميم والزقوم ومثل أهل الجنة في النعيم المقيم كمثل أهل النار في العذاب المقيم   وسقوا ماء حميما   أي حارا شديد الغليان إذا أدنى منهم شوى وجوههم ووقعت فروة رؤوسهم فإذا شربوه قطع أمعاءهم وأخرجها من دبورهم والأمعاء جمع معي والتثنية معيان وهو جميع ما في البطن من الحوايا

تفسير النسفي ج4/ص147

مثل الجنة   صفة الجنة العجيبة الشأن   التي وعد المتقون   عن الشرك   فيها أنهار   داخل في حكم الصلة كالتكرير لها الا ترى الى صحة فولك التي فيها انهار او حال اى مسقرة فيها انهار   من ماء غير آسن   غير متغير اللون والريح والطعم يقال اسن الماء اذا تغير طعمه وريحه اسن مكى   وأنهار من لبن لم يتغير طعمه   كما تتغير ألبان الدنيا الى الحموضة وغيرها   وأنهار من خمر لذة   تأنيث للذيذ وهو لاذيذ   للشاربين   اى ما هو الا التلذذ الخالص ليس معه ذهاب عقل ولا خمار ولا صداع ولا آفة من آفات الخمر   وأنهار من عسل مصفى   لم يخرج من بطون النحل فيخالطه الشمع وغيره   ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم   مثل مبتدأ خبره   كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما حارا في النهاية   فقطع أمعاءهم   والتقدير أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد في النار وهو كلام في صورة الاثبات ومعناه النفى لانطوائه تحت حكم كلام مصدر بحرف الانكار ودخوله في حيزه وهو قوله افمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله وفائدة حذف حرف الانكار زيادة تصوير لمكابرة من يسوى بين التمسك بالبينة والتابع لهواه وانه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة التى تجرى فيها تلك الانهار وبين النار التى يسقى اهلها الحميم

روح المعاني – الألوسي ج26/ص48

وسيأتي إن شاء الله تعالى بسط الكلام فيه وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وعبد الله والسلمي   أمثال الجنة   أي صفاتها قال ابن جني وهذا دليل على أن قراءة العامة بالتوحيد معناها الكثرة لما في مثل من معنى المصدرية ولذا جاز مررت برجل مثل رجلين وبرجلين مثل رجال وبامرأة مثل رجل وعن علي كرم الله تعالى وجهه أيضا أنه قريء   مثال الجنة   ومثال الشيء في الأصل نظيره الذي يقابل به

من ماء غير آسن   أي غير متغير الطعم والريح لطول مكث ونحوه وماضيه أسن بالفتح من باب ضرب ونصر وبالكسر من باب علم حكى ذلك الخفاجي عن أهل اللغة وفي البحر أسن الماء تغير ريحه يأسن ويأسن ذكره ثعلب في الفصيح والمصدر أسون وأسن بكسر السين يأسن بفتحها لغة أسنا قاله اليزيدي وأسن الرجال بالكسر لا غير إذا دخل البئر فأصابته ريح منتنة منها فغشي عليهأو دار رأسه ومنه قول الشاعر قد أترك القرن مصفرا أنامله يميد في الريح ميد المائح الأسن وقرأ ابن كثير وأهل مكة   أسن   على وزن حذر فهو صفة مشبهة أو صيغة مبالغة وقرأ   يسن   بالياء قال أبو علي وذلك على تخفيف الهمزة   وأنهار من لبن لم يتغير طعمه   لم يمحض ولم يصر قارصا ولا حاذرا كألبان الدنيا وتغير الريح لا يفارق تغير الطعم وأنهار من خمر لذة للشاربين   أي لذيذة لهم ليس فيها كراهة طعم وريح ولا غائلة سكر وخمار كخمور الدنيا فإنها لا لذة في نفس شربها وفيها من المكاره والغوائل ما فيها وهي صفة مشبهة مؤنث لذ وصفت بها الخمر لأنها مؤنثة وقد تذكر أو مصدر نعت بتقدير مضاف أو بجعلها عين اللذة مبالغة على ما هو المعروف في أمثال ذلك وقرئت بالرفع على أنها صفة   أنهار   وبالنصب على أنها مفعول له كائنة لأجل اللذة لا لشيء آخر من الصداع وسائر آفات خمور الدنيا   وأنهار من عسل مصفى   مما يخالفه فلا يخالطه الشمع وفضلات النحل وغيرها ووصفه بمصفى لأن الغالب على العسل التذكير وهو مما يذكر ويؤنث كما نص عليه أبو حيان وغيره وهذا على ما قيل تمثيل لما يجري مجرى الأشربة في الجنة بأنواع ما يستطاب منها أو يستلذ في الدنيا بالتخلية عما ينقصها وينغصها والتحلية بما يوجب غزارتها ودوامها

وبدي بالماء لأنه في الدنيا مما لا يستغنى عنه ثم باللبن إذ كان يجري مجرى المطعم لكثير من العرب في كثير من أوقاتهم ثم بالخمر لأنه إذا حصل الري والمطعوم تشوفت النفس إليه ما يلتذ به ثم بالعسل لأن فيه الشفاء في الدنيا مما يعرض من المشروب والمطعوم فهو متأخر بالرتبة وجاء عن ابن عباس أن لبن تلك الأنهار لم يحلب وقتال سعيد بن جبير إنه لم يخرج من بين فرث ودم وإن خمرها لم تدسها الرجال بأرجلها وإن عسلها لم يخرج من بطون النحل وأخرج ابن جرير عن سعد قال سألت أبا إسحاق عن قوله تعالى   من ماء غير آسن   فقال سألت عنه الحرث فحدثني أن ذلك الماء تنسيم وقال بلغني إنه لا تمسه يد وإنه يجيء الماء حتى يدخل الفم

وفي حديث أخرجه ابن مردويه عن الكلبي أن نهر دجلة نهر الخمر في الجنة وأن عليه إبراهيم عليه السلام ونهر جيحون نهر الماء فيها ويقال له نهر الرب ونهر الفرات نهر اللبن وإنه لذرية المؤمنين ونهر النيل نهر العسل

وأخرج الحرث بن أبي أسمامة في مسنده والبيهقي عن كعب قال نهر النيل نهر العسل ونهر دجلة نهر اللبن ونهر الفرات نهر الخمر ونهر سيحان نهر الماء في الجنة وأنت تعلم أن المذكور في الآية لكل أنهار بالجمع والله تعالى أعلم بصحة هذه الأخيار ونحوها ثم أنها صحت لا يبعد تأويلها وإن كانت القدرة الإلهية يتعاصاها شيء   ولهم فيها   مع ما ذكر من فنون الأنهار   من كل الثمرات   أي أنواع كل الثمرات فالجار والمجرور صفة مبتدأ مقدر وقدره بعضهم زوجان وكأنه انتزعه من قوله تعالى   فيهما من كل فاكهة زوجان   وقيل   من   زائدة أي ولهم فيها كل الثمرات   ومغفرة   مبتدأ خبره محذوف والجملة عطف على الجملة السابقة أي ولهم مغفرة وجوز أن يكون عطفا على المبتدأ قبل بدون قيد فيها لأن المغفرة قبل دخول الجنة بالقيد والكلام على حذف مضاف أي ونعيم مغفرة أو جعل المغفرة عبارة عن أثرها وهو النعيم أو مجازا عن رضوان الله عز وجل وقد يقال المراد بالمغفرة هنا ستر ذنوبهم وعدم ذكرها لهم لئلا يستحيوا فتتنغص لذتهم والمغفرة السابقة ستر الذنوب وعدم المؤاخذة بها وحينئذ العطف على المبتدأ من غير ارتكاب شيء مما ذكر وقد رأيت نحو هذا بعد كتابته للطبرسي مقتصرا عليه ولعله أولى مما قالوه وتنوين   مغفرة   للتعظيم أي مغفرة عظيمة لا يقادر قدرها وقوله تعالى   من ربهم   متعلق بمحذوف صفة لها مؤكدة لما أفاده التنكير من الغخامة الذاتية الإضافية أي كائنة من ربهم وقوله عز وجل   كمن هو خالد في النار   خبر لمبتدأ محذوف تقديره أمن هو خالد في هذه الجنة حسبما جري به الوعد كمن هو خالد في النار كما نطق به قوله تعالى   والنار مثوى   لهم وجوز أن يكون بدلا من قوله سبحانه   كمن زين له سوء عمله   وما بينهما اعتراض لبيان ما يمتاز به من علي بينة في الآخرة تقريرا لأنكار المساواة وفيه بعد وذهب جار الله إلى أنه خبر   مثل الجنة   وأن ذاك مرتب على الإنكار السابق أعني قوله تعالى   أفمن كان   الخ والمعنى أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد في النار فالمضافان محذوفان الجزاء بقرينة مقابلة الجنة ولفظ المثل بقرينة تقدمه ومثله كثير وفائدة التعرية عن حرف الإنكار إن من اشتبه عليه الأول أعني حال المتمسك بالبينة وحال التابع لهواه فالثاني مثله عنده وإذ ذاك لا يستحق الخطاب ونظير ذلك قول حضرمي بن عامر أفرح إن أرزأ الكرام وإن أورث ذودا شصائصا نبلا فإن كلام منكر للفرح برزية الكرام ووراثة الذود مع تعريه من حرف الإنكار لانطوائه تحت حكم من قال له أتفرح بموت أخيك وبوراثة إبله وذلك من التسليم الذي يقل تحت كل إنكار وجعل قوله تعالى   فيها أنهار   كالتكرير للصلة أي صلة بعد صلة يتضمن تفصيلها لأنه كالتفصيل للموعود ولهذا لم يتخلل العاطف بينهما وجوز أن يكون في موضع الحال على أن الظرف في موضع ذلك و   أنهار   فاعله لا على أنه مبتدأ والظرف خبر مقدم والجملة الإسمية حال لعدم الواو فيها وقد صرحوا بأن الأكتفاء فيها بالضمير غير فصيح واعتبارها فعلية بتقدير الظرف استقر لا يخفى حاله وقيل في الحال ضعف من حيث المعنى لمجيئه مجيء الفضلات وهي أم الإنكار وأيضا هو حال من الجنة من ضميرها في الصلة وفي العامل تكلف ثم الحال غير مقيدة وجعلها مؤكدة وقد علم كونها كذلك من إخباره تعالى فيه أيضا تكلف وأن يكون خبر مبتدأ محذوف والجملة استئناف بياني قال في الكشف وهو الوجه والتقدير هي فيها أنهار وكأنه قيل إنى يكون صفة الجنة وهي كذا وكذا كصفة النار فالأستئناف ههنا بمنزلة قولك وهي كذا وكذا اعتراضا لما في لفظ المثل من الإشعار بالوصف العجيب وليس خبر الجملة السابقة   وهو كمن هو خالد في النار   مورد السؤال ليعترض بوقوع الأستئناف قبل مضيه وأورد أنه لا حاجة إلى تقدير المبتدأ لأن   فيها أنهار   جملة برأسها والجواب أن تقدير مثلها فيها أنهار فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فصار مرفوعا ثم حذف ولهذا قال في السؤال كأن قائلا قال وما مثلها ويجري ما قرر في قراءة الأمير كرم الله تعالى وجهه ومن معه   أمثال   بالجمع فيقال التقدير أمثال الجنة كأمثال جزاء من هو خالد في النار ويقدر المضاف الأول جمعا للمطابقة ولعمري لقد أبعد جار الله المغزى وقد استحسن ما ذكره كثير من المحققين قال صاحب الكشف بعد تقرير جعل   كم هو خالد   خبر لمثل الجنة هذا هو الوجه اللائح المناسب للمساق وقال ابن المنير في الأنتصاف بعد نقله كم ذكر الناس في تأويل هذه الآية فلم أر أطلي ولا أحلى من هذه النكت التي ذكرها لا يعوزها إلا التنبيه على أن في الكلام محذوفا ليتعادل والتقدير مثل ساكن الجنة كمن هو خالد في النار ومن هذا النمط قوله تعالى   أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله   الخ وما قدرناه لتحصيل التعادل أولى وإن كان فيه كثرة حذف فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك والضمير المفرد أعني   هو   راجع إلى   من   باعتبار لفظها كما أن ضمير الجمع في قوله سبحانه وسقوا ماء حميما   راجع إليها باعتبار معناها والمراد وسقوا ماء حارا مكان تلك الأشربة وفيه تهكم بهم   فقطع أمعاءهم

 

زاد المسير – ابن الجوزي ج7/ص401

مثل الجنة التي وعد المتقون   أي صفتها وقد شرحناه في الرعد 35 والمتقون عند المفسرين الذين يتقون الشرك والآسن المتغير الريح قاله أبو عبيدة والزجاج وقال ابن قتيبة هو المتغير الريح والطعم والآجن نحوه وقرأ ابن كثير غير أسن بغير مد وقد شرحنا قوله   لذة للشاربين   في الصافات 46

قوله تعالى   من عسل مصفى   أي من عسل ليس فيه عكر ولا كدر كعسل أهل الدنيا

قوله تعالى   كمن هو خالد في النار   قال الفراء أراد من كان في هذا النعيم كمن هو خالد في النار

قوله تعالى   ماء حميما   أي حارا شديد الحرارة والأمعاء جميع ما في البطن

معاني القرآن – النحاس ج6/ص471

ثم قال جل وعز   مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن   آية 15

ولم يأت بالمماثل معناه ثلاثة أقوال

أ منها أن مثلا بمعنى صفة قال ذلك النضر بن شميل والفراء

وروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قرأ < أمثال الجنة التي وعد المتقون >

قال أبو جعفر فهذا قول ويكون على هذا مثل على معنى مثل ويكون فيه خلاف معناه كما ان في عدل خلاف معنى عدل

ب وقيل المعنى مثل الجنة التي وعد المتقون فيما تعرفون في الدنيا جنة فيها أنهار

ج والقول الثالث أن المعنى على التوبيخ والتقرير أي مثل الجنة التي وعد المتقون كمن هو خالد في النار أي مثل المطيع عندكم كمثل العاصي وروى معمر عن قتادة   من ماء غير آسن   قال غير منتن

قال قتادة الاسن المتغير الآجن

قال أبو جعفر قول قتادة اصح لأنه يقال أسن الماء يأسن ويأسن فهو آسن وأسن إذا أنتن فلم يقدر أحد على شربه وأجن يأجن وهو آجن إذا تغير وإن كان شرب على كره

16 وقوله جل وعز   وأنهار من خمر لذة للشاربين   آية 15

يقال شراب لذيذ ولذ

وأنهار من عسل مصفى   أي ليس كعسل الدنيا الذي فيه الشمع وغيره

ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم   أي ولهم مغفرة من ربهم

ثم قال تعالى   كمن هو خالد في النار  

قال ابو جعفر قد تقدم القول فيها

وفيه قول آخر وهو ان المعنى أمن يخلد في الجنة وفي هذا النعيم المذكور كمن هو خالد في النار ثم حذف هذا لعلم السامع كما قال تعالى   أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما

 

 

أضف تعليقاً