الهولندي البخيل

version4_هولندي مسلم

هل سمعت بهولندي بخيل؟ أريد أن أقول وبكل أمانة: أنا لم أسمع بهولندي بخيل بالرغم من أني أعرف أوربا، وأعرف أجناسها وأعرف الهولنديين، أو أنك تظن أن هذه مزحة!؟ لا، ليس كذلك، إنه أمر حقيقي.

أنا طبيب في عيادتي الخاصة المتواضعة في مدخل مدينة الرمادي، فلو دخلت مدينة الرمادي على الطريق القديم قادما من مدينة هيت فإنك ستمر من أمام عيادتي المتفردة في تلك المنطقة والمقابلة لمعمل الزجاج المشهور في المدينة.

دخل علي سائق شاحنة -وسائقو الشاحنات معظمهم يسكنون تلك المنطقة من مدينة الرمادي حتى لا يضطروا لدخول المدينة وعبور الجسور بشاحناتهم، أو أن يضطروا إلى تركها في المواقف خارج المدينة وهي بحمولتها التي قد تكون ثمينة، لذلك فمعظمهم يعرفني جيدا، ويراجعني عندما يكون مريضا، ثقة بي، أو قد يكون للسهولة- دخل علي ومعه رجل بملابس وهندام جيد، وهذا الرجل أبيض اللون، وبوجه مستطيل، ولحية شقراء فيها قليل من الشيب تدل على عمره بين الخمسين والستين، عيناه الزرقاوان وشاربه المرتب ولحيته الصغيرة وقامته الطويلة المتوازنة مع قليل من النحافة وشكل وجهه عرفتني أنه هولندي!. فأنا لي خبرة بأشكال الأوربيين، حسبته للوهلة الأولى أستاذا جامعيا أو عالما قد جاء يبحث عن شيء في هذا البلد المحاصر!.

توقف سائق الشاحنة على الباب وقال لي -وكأنه يريد أن يرفع همّاً عن نفسه:

-يا دكتور خلصني من هذا الرجل!.

-ما مشكلته يا ابني؟

-هذا أجنبي بخيل جدا، لقد ركب معي من عمان، وكنت أظن أنه سيدفع لي، لم أستطع التفاهم معه، وبمساعدة صديق عرفنا بصعوبة أنه يركب مجانا، والأكثر من هذا أنه قضى على كل ما معي من طعام ولم يدفع لي شيئا!.

-هل تريد أن أترجم لك.. أم تريد منه شيئا آخر؟

-لا يا دكتور، لا أريد شيئا سوى أني أريد التخلص من هذا البخيل.

-لا عليك، اتركه هنا وأنا أتكفل به.

فرح جدا وخرج مسرعا تاركا الرجل الأجنبي.

قمت باستقبال هذا الغريب، وصافحته بقوة وأجلسته جنبي، قلت له بالإنكليزية التي أجيدها:

-أتعرف العربية؟

-لا.

-إذاً لنتكلم بالإنكليزية يا أستاذ.

قدمنا له الشاي، فاستدار إلي وقال:

-كم ثمن هذا الشاي؟

ضحكت وقلت له:

-مجانا يا أستاذ .

شربه إلى آخر نقطة وكأنه فقير لم يذق الشاي في حياته. سألته:

-هل أنت هولندي؟

-نعم، وكيف عرفت؟

-لي خبرة واسعة في معرفة الأجناس الأوربية من الشكل فقط، هل أنت عالم أم سائح؟

-أنا سائح.

-إذا ستبقى عندنا اليوم!.

بعد الانتهاء من العيادة ذهبنا إلى البيت، وأخذته إلى جناح الضيوف المنفصل عن الدار تماما، وأعلمته أن هذا المكان سيكون له للإقامة.

استدار إلي وهو يلوح بغليونه الفارغ:

-كم ثمن الليلة هنا!؟

نظرت إليه باستغراب ولم أجب، أدخلته إلى غرفة الاستقبال، وبعد أن أخذنا نفسا قلت له:

-إننا المسلمون وبالخصوص العرب منهم لا نأخذ من الضيف مالاً، فمن حقك أن تنام وتأكل وتشرب لثلاثة أيام، وهذا الحق مقدس عندنا، وتستطيع أن ترفع شكوى للقاضي إذا لم يضيفوك لثلاثة أيام!.

-تعني ثلاثة أيام مجانا؟

-نعم مجانا! فالرسول صلى الله عليه وسلم وهو كما تعرف نبي المسلمين يقول: (حق الضيف ثلاثة أيام)، وهذا يعني ضيافة مجانية شاملة الطعام والشراب ولكل الأوقات.

أسند ظهره إلى الأريكة، وأظهر ابتسامة ارتياح وقال:

-عظيم! هذا عظيم… مجانا!!.

تحرك حركتين تدل على الارتياح، ورفع غليونه الذي يحمله بيده طوال الوقت فارغا، فوضع فيه كمية من التبغ من علبة صغيرة وأشعله بصعوبة وقال:

–    الآن أستطيع أن آخذ نفسا من هذا الغليون!

تعجبت من أمره وخصوصا عندما أخرج (كاميرا فيديو) ثمينة لا تقل قيمتها عن خمسة آلاف دولار، إضافة إلى(كاميرا) تصوير من النوع الراقي. وعندما خلع حذاءه استطعت أن أقرأ نوعيته، فهو حذاء ثمين من أرقى المصانع الإيطالية، ولا يقل ثمنه عن ثلاث مئة دولار!!.

من هذا السائح!؟ هل هو شخصية متخفية أم هو جاسوس جاء متخفيا!؟ لا، فالعقل يقول: إن الجواسيس لا يأتون هكذا فيحملون (كاميرا) ثمينة، ويلبسون حذاء ثمينا، ثم لا يدفعون أجرة سيارة، ويبحث عن مكان مجاني ليبيت فيه! ومن غير المعقول أن يكون ثريا فهم يتمتعون بأموالهم. لقد حيرني! فلو لم يكن هولنديا لظننت أنه بخيل.

في اليوم التالي ومن الصباح الباكر طلبت من سائق سيارتي -وهو شاب طيب من أهالي البصرة المرحلين إلى الرمادي عندما كان هناك قصف إيراني على مدينة البصرة، وهو إضافة إلى طيبته ذكي ويعرف الإنكليزية- طلبت منه أن يصحبه في جولة في المدينة، وأن يقدم له ما يريد، ولا يسمح لهذا الغريب أن يدفع شيئا، ولو أني متأكد أن هذا الغريب البخيل لن يدفع شيئا حتى كان بطلب أو إلحاح، عادوا مساء بعد جولة صوره فيها عند النهر، وعند الجسر، وفي الريف.

فأخبرني الأخ البصري -واسمه رائد- أنه مرتاب من هذا الغريب.

فسألته:

–    هل صور قرب معسكر؟ وهل معه خرائط!؟

–    فأخبرني رائد أن معه خارطة سياحية لا علامة للمناطق العسكرية عليها، ثم أنه لم يكلف نفسه فيمد يده إلى جيبه بعد أن أكلنا طعام الغداء في أحد المطاعم، وقد قدمنا له الأكلة المشهورة عندنا (الدليمية) فأكلها بنهم شديد وكأنه لم يأكل منذ عام!.

في اليوم الثاني أخذه رائد إلى مدينة الفلوجة القريبة والقابعة على نهر الفرات، والتي يجب ان تجتازها عند ذهابك إلى بغداد، وأكلوا من كباب الحاج حسين الشهير، وصور نفسه كذلك في كل المناطق التي يصل إليها، وفيها علامة دالة. وعادوا مساء وهو فرح جدا، جلست معه نتحادث، وحاولت أن أعرف سبب مجيئه، واستدرجته مرات، ولكنه كان ذكيا وحذرا، فلم يخبرني بأي شيء نافع. سألني:

–    هل إذا بقيت يوما آخر عليَّ أن أدفع؟

–    لا، طبعا فثلاثة الأيام حق واجب. أما ما بعد ذلك فهو الكرم والجود.

فرح لهذا الجواب وانبسطت أساريره. جلسنا نتحادث عن هذه المحافظة الصحراوية، فأخبرته أن عليه الذهاب إلى مدينة هيت ليرى عيون القير (الزفت) التي تسيل ليلا ونهارا، والتي أخذ منها القير الذي بنيت بابل منها. أعجبه الأمر وفي اليوم التالي ذهب بسيارتي كذلك مع الأخ رائد وعادوا مساء، أخبرني الأخ رائد عن كل شيء في سفرتهم، وكيف أنهم عبروا النهر للوصول إلى المنطقة التي بات فيها نبي الله ابراهيم عليه السلام عند ترحاله من أور إلى الخليل في فلسطين، سألني ضيفنا الهولندي:

–    كم ثمن تذكرة الوصول إلى بغداد، وكيف أصل إلى أرخص فندق، وأين أجد أرخص الطعام؟!!

تعجبت لطلباته الغريبة وإصراره على أن لا يصرف شيئا، فأخبرته أن الأخ رائدا سوف يوصله بسيارتي إلى هدفه، ويرشده إلى أحسن الأماكن.

غادروا صباحا، وأخبرت الأخ رائدا أن يأخذه إلى مسجد الشيخ عبد القادر الكيلاني -رحمه الله- حيث يوجد هناك (الشوربة خانه)، يقدمون الطعام فيها للفقراء مجانا، وأن يسكنه في (الديوه خانه) التابعة للشيخ، فالسكن والمبيت فيها مجانا، وأخبرته أنَّ عليه أن يأخذ معه كيسا فارغا ليضع فيه لوازمه ومن ضمنها الحذاء لتكون تحت رأسه عند النوم، وأن يعيده بعد يومين في نفس المكان لإرجاعه إلى الرمادي.

وفعلا بعد مضي اليومين ذهب إليه فوجده هناك حسب الاتفاق. فشكره كثيرا، وطلب منه أن يغير له عشرة دولارات أمريكية إلى الدينار العراقي. فساعده على إتمام ذلك، فطلب منه أن يوصله إلى البصرة. اتصل بي رائد هاتفيا، لكني لم أوافق أن يذهبا بسيارتي، فالمسافة بعيدة، لذلك طلبت منه أن يوصله إلى محطة انطلاق باصات البصرة، ولكون الأخ رائد من أهل البصرة، لذا أعطاه ورقة فيها عنوان أحد أقاربه ليقوم له بالضيافة، واتفقا على اللقاء في محطة الباصات في بغداد بعد خمسة أيام.

مضت خمسة الأيام، وذهب الأخ رائد لاستقباله كما هو متفق. وفعلا وجده هناك في الوقت المحدد تماما. فاخبره انه مسرور جدا، لأنه لم ينفق سوى عدة دولارات، فأهل البصرة كرماء جدا، ولم يتركوه يدفع فلسا واحدا، ولو أنه اضطر للمبيت أول يوم في جامع المقام في منطقة العشار.

اتصل بي الأخ رائد، وأخبرني أن الضيف يريد الذهاب إلى الموصل، فطلبت منه إيصاله إلى محطة الباصات، وأن يعطيه ورقة فيها عنوان يذهب به إلى قبر ومقام النبي يونس (عليه السلام)، حيث إن هناك من يضيفه كما في مسجد الشيخ عبدالقادر الكيلاني. وعاد بعد ثلاثة أيام وهو فرح ومستبشر، وجلس معي مساء في بيتي في الرمادي، وما كاد يجلس حتى بادرني بالسؤال:

-هل هناك ثلاثة أيام أخرى ضيافة؟

-نعم!  لا! بل كما تشاء أن تبقى!.

سألني ووجهه كله ابتسامة:

-هل تفعلون مع كل ضيف هكذا؟

-نعم، ولم لا!؟.

-هل هذه أوامر الإسلام؟

-نعم، نعم. إضافة إلى أنها عادة من عادات العرب قبل الإسلام.

-عظيم هذا الدين، فهذا الشيء لا يذكر عندنا، وأنا معجب جدا بكم! فبالرغم من بساطة العيش وبعض السلبيات، لكنكم تعيشون أسعد منا بكثير، ولو تمنيت أن أعيش بين قوم غرباء فلن اختار غيركم.

أنزل غليونه الفارغ وعدل جلسته، وقال:

-بالرغم من أننا حاربناكم وحاصرناكم، لكنكم لا تحملون الحقد الذي في قلوبنا.

-لا عليك ان تقول ذلك! فأنت ضيفنا، ولك حق علينا.

قصصت له قصة في تاريخ المسلمين، قصة الشخص الذي جاءه ضيف في بيته، وكان يترك الضيف في البيت، ويخرج كل يوم. فلما سأل الضيف مضيفه عن سبب خروجه وتركه في بيته! أخبره أنه يبحث عن قاتل أبيه. فلما سأله عن اسمه؛ ظهر له أن الضيف هو القاتل الذي يبحث عنه! فماذا فعل معه!؟ جهز له حصانه، وأعطاه طعاما ومالا، وقال له: اهرب من وجهي، فإني أخاف أن أغضب، وأفقد إرادتي فاقتل ضيفي، فيكون عاره أكبر من عار ترك قاتل أبي أو ترك الأخذ بثأري!. وهذا ما يجب أن نفعله، فنحن نحترم الضيف، وأقولها مرة أخرى: أهلا وسهلا بك!.

استدار إلي وكان وجهه ينبض طربا وفرحا، فقال لي:

-هل لي بطلب أخير؟

-تفضل.

-هل تستطيع إرسالي مجانا مع سائق شاحنة، فقد عرفت أنهم يحترمونك ويقدرونك كثيرا؟

-نعم، سيكون لك ذلك.

وفعلا؛ وفي منتصف الليل حيث يغادر سائقو الشاحنات المدينة، ألحقته بأحدهم وأوصيته به خيرا.

عجبت كم في هذا السائح من بخل! فهو لا يريد أن ينفق فلسا واحدا، وكان عالة على السائق طوال الطريق فيأكل معه الطعام، ويشرب الشاي، إلى أن وصلوا إلى دمشق. فأخبرني السائق أن هذا السائح عندما وصل إلى دمشق استخرج من جيبه تسعين دولارا، فظن أنه سيدفع له أجرة، ولكنه أفهمه أن هذا المبلغ يجب أن يكفيه للوصول إلى هولندا.

بعد أسبوعين.. وصلتني رسالة من هولندا، فعرفت أنها من ضيفنا، وظننت أنني يجب أن أدفع قيمة الطابع! فهذا ظني به. ففتحت المظروف وإذا به رسالة من ورق راق جدا، مذهَّب وبأطراف مقطوعة، وبديباجة مقطوعة خاصة، لا يمتلكها الأغنياء، يشكرني بها على تلك الضيافة، ولكنه يخبرني عجبا!! فقال:

(أنا مليونير هولندي، وقد سمعت عن بلادكم وكرمكم الكثير، ويوما كنت جالسا مع صديق لي فذكرتكم بخير، ولكن بسبب تأثره بالإعلام رد عليَّ بقوة، ودار بيننا نقاش انتهى بنا إلى رهانٍ؛ أن أذهب إلى العراق، وأزوره.. شماله وجنوبه، وبدون أي حماية، وبمئتي دولار فقط!.  وأقسمنا على الأمانة في ذلك، ووضعنا رهانا كبيرا جدا فربحت الرهان! ولكن الرهان الأكبر الذي فزت فيه هو أني عرفت أن الإنسانية ليست كلاما يقال في الأمم المتحدة، ولا أفلاما تمثل في هوليود، بل هي مبادئ تطبق، وكما تفعلون أنتم! لذا فأنتم احق منا ان تقودوا العالم، ولكم دين حقيق بالاحترام، فلا يجوع عندكم فقير، وأنا أتبرع بخمسة آلاف دولار للشوربة خانه في مسجد الشيخ عبد القادر الكيلاني، وستصلك هدية لك ولصديقك الذي لم أعرف أنه يعمل لديك إلا في آخر يوم، فإني ظننته أخاً لك، وهدية أخرى لابنك الصغير مصعب الذي أمتعني كثيرا بقصصه المشوقة، وحركاته البهلوانية، ولهجته الإنكليزية التي لا نظيرلها).

 

أضف تعليقاً