الكائنات الحية والنباتات

كل الاحياء فيها ماء

يقول سبحانه وتعالى
أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (30)

يذكر لنا سبحانه وتعالى في هذه الآية موضوعين علميين من الوهلة الاولى نراها مختلفة , وهي مراحل خلق وتطور السماوات , وهو موضوع يخص علم الفلك ونظرياته , والموضوع الثاني هو ان الله جعل كل الكائنات الحية تحتوي ماء , وهو موضوع يخص علم الاحياء (البيولوجي ) ,

اقوال المفسرين في هذه الآية 

 

البحر المحيط – (ج 8 / ص 164)

هذا استفهام توبيخ لمن ادعى مع الله آلهة ، ودلالة على تنزيهه عن الشريك ، وتوكيد لما تقدم من أدلة التوحيد ، ورد على عبدة الأوثان من حيث إنّ الإله القادر على هذه المخلوقات المتصرف فيها التصرف العجيب ، كيف يجوز في العقل أن يعدل عن عبادته إلى عبادة حجر لا يضر ولا ينفع والرؤية هنا من رؤية القلب.

وقيل : من رؤية البصر وذلك على الاختلاف في الرتق والفتق.

 

التفسير الميسر – (ج 5 / ص 449)

أولم يعلم هؤلاء الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا ملتصقتين لا فاصل بينهما، فلا مطر من السماء ولا نبات من الأرض، ففصلناهما بقدرتنا، وأنزلنا المطر من السماء، وأخرجنا النبات من الأرض، وجعلنا من الماء كل شيء حي، أفلا يؤمن هؤلاء الجاحدون فيصدقوا بما يشاهدونه، ويخصُّوا الله بالعبادة؟

المنتخب – (ج 2 / ص 43)

أَعَمِىَ الذين كفروا ولم يبصروا أن السموات والأرض كانتا في بدء خلقهما ملتصقتين ، فبقدرتنا فَصَلَنا كلا منهما عن الأخرى ، وجعلنا من الماء الذى لا حياة فيه كل شيء حي؟! فهل بعد كل هذا يُعرضون ، فلا يؤمنون بأنه لا إله غيرنا؟

تفسير أبي السعود – (ج 4 / ص 411)

{ أَوَلَمْ يَرَ الذين كَفَرُواْ } تجهيلٌ لهم بتقصيرهم في التدبُّر في الآيات التكوينيةِ الدالةِ على استقلاله تعالى بالألوهية وكونِ جميع ما سواه مقهوراً تحت ملكوتِه ، والهمزةُ للإنكار والواو للعطف على مقدّر وقرئ بغير واو والرؤيةُ قلبيةٌ ، أي ألم يتفكروا ولم يعلموا { أَنَّ السموات والأرض كَانَتَا } أي جماعتا السمواتِ والأرضين كما في قوله تعالى : { إِنَّ الله يُمْسِكُ السموات والأرض أَن تَزُولاَ } { رَتْقاً } الرتْق الضمُّ والالتحامُ والمعنى إما على حذف المضافِ أو هو بمعنى المفعولِ أي كانتا ذواتيْ رتْقٍ أو مرتوقتين ، وقرئ رتَقاً أي شيئاً رتقاً أي مرتوقاً { ففتقناهما } قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في رواية عكرمة والحسن البصري وقتادة وسعيد بن جبير : كانتا شيئاً واحداً ملتزمين ففصل الله تعالى بينهما ورفع السماءَ إلى حيث هي وأقرّ الأرض ، وقال كعب : خلق الله تعالى السمواتِ والأرض ملتصقتين ثم خلق ريحاً فتوسطتها ففتقتْها ،.

تفسير أبي السعود – (ج 4 / ص 412)

{ وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيء حَيّ } أي خلقنا من الماء كلَّ حيوان كقوله تعالى : { والله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مّن مَّاء } وذلك لأنه من أعظم موادِّه أو لفرْط احتياجِه إليه وانتفاعِه به ، أو صيرنا كلَّ شيء حي من الماء أي بسبب منه لا بد له من ذلك ، وتقديمُ المفعول الثاني للاهتمام به لا لمجرد أن المفعولين في الأصل مبتدأٌ وخبرٌ وحقُّ الخبر عند كونه ظرفاً أن يتقدم على المبتدأ فإن ذلك مصحِّحٌ محْضٌ لا مرجحٌ ، وقريء حيًّا على أنه صفةُ كلَّ أو مفعولٌ ثانٍ والظرفُ كما في الوجه الأول قُدّم على المفعول للاهتمام به والتشويقِ إلى المؤخر { أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ } إنكار لعدم إيمانِهم بالله وحده مع ظهور ما يوجبه حتماً من الآيات الآفاقية والأنفسيةِ الدالةِ على تفرده عز وجل بالألوهية وعلى كون ما سواه من مخلوقاته مقهورةً تحت ملكوته وقدرتِه ، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه الإنكارُ السابق أي أيعلمون ذلك فلا يؤمنون.

 

تفسير ابن كثير – (ج 5 / ص 339)

وقوله: { وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ } أي: أصل كل الأحياء منه.

 

تفسير الألوسي – (ج 12 / ص 369)

وقوله تعالى : { وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيْء حَيّ } عطف على { ءانٍ السموات } الخ ولا حاجة إلى تكلف عطفه على فتقنا ، والجعل بمعنى الخلق المتعدي لمفعول واحد ، ومن ابتدائية والماء هو المعروف أي خلقنا من الماء كل حيوان أي متصف بالحياة الحقيقية .

 

مختصر اقوال المفسرين

 

هذا استفهام توبيخ لمن ادعى مع الله آلهة كيف يجوز في العقل أن يعدل عن عبادته إلى عبادة حجر لا يضر ولا ينفع والرؤية هنا من رؤية القلب.

وقيل : من رؤية البصر وذلك على الاختلاف في الرتق والفتق. ويستفهم مفسر آخر فيقول: أَعَمِىَ الذين كفروا ولم يبصروا أن السموات والأرض كانتا في بدء خلقهما ملتصقتين ، فبقدرتنا فَصَلَنا كلا منهما عن الأخرى ، وجعلنا من الماء الذى لا حياة فيه كل شيء حي؟! أي خلقنا من الماء كلَّ حيوان كقوله تعالى : { والله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مّن مَّاء } , ويقول ابن كثير رحمه الله : وقوله: { وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ } أي: أصل كل الأحياء منه. والماء هو المعروف أي خلقنا من الماء كل حيوان أي متصف بالحياة الحقيقية .

 

التفسير العلمي

 

كان العرب في وقت نزول الرسالة اهل ادب ولغة , وكانت نواحي الحياة الاخرى متأخرة نسبيا , اما من الناحية العلمية فكانوا لا يعيرونها أي اهتمام , فلا البيئة ولا المجتمع يدفع بهذا الاتجاه , فلم ارى في الشعر الجاهلي أي آراء علمية او لمحات تنم عن معلومة علمية , وحتى المخطئ منها ,

في هذه الآية الكريمة يتكلم الله سبحانه عن معلومات علمية بعيدة جدا عن ذلك العصر , حتى لكأنها كتبت في ايامنا هذه , ولم يعترض العرب في الجاهلية على ذلك , فقد قدمت بأسلوب ادبي ومعنى يجعلك تبتدأ من الصفر , لتنطلق نحو الاعلى , فالله يوبخهم لانهم لم يتفكروا ويدققوا ويتمعنوا في هذا الكون ويغوروا فيه ( وهم لم يفعلوا ذلك كما نعلم ) , وذكرت بشكل جديد لم يألفوه , المعلومة كانت مدهشة لهم وهي تقدم من عليم خبير , يخبرنا سبحانه وتعالى ان الأرض والسماوات كلها كانت ملتصقة على بعضها , فهمت بهذا الشكل البسيط , وكذلك كل الاحياء فيها ماء وحتى الجافة الصلبة كالعظم فيها ماء , وبهذه البساطة , وبعد ذلك لا يؤمنون , توقف الكافرين مليا فقد جاءتهم معلومات لا دليل لديهم على عدم صحتها وهي غير معرفة عند العرب بمعناها العام , ومع هذا وللصياغة الفائقة الدقة فهمها العرب وعلى ابسط صورها وبما لا يخالف العلم الحديث , وهكذا فهمها المفسرين في عصرهم .

السماوات والارض كانتا قطعة واحدة وبالانفجار الاعظم تكون هذا الكون ومنه ارضنا , شيء مدهش وعظيم ,والان اصبح نظرية ثابته ترعاها مؤسسات علمية مرموقة .

وما نحن فيه هو القسم الثاني من الآية عندما يتكلم سبحانه (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ) فهل حقا ان لا حياة بدون ماء

اصبح من المعلوم ان الانسان الذي معدل وزنه 70 كغم فان 60 % من الوزن ماء أي 42 لتر تقريبا وتختلف النسبة حسب جنس الانسان ومقدار السمنة والعمر . ( كايتون وهل للفسلجة صفحة 293).

(كل الحيوانات ذات الخلية والمتعددة الخلايا كالحيوانات المائية منها والتي على اليابسة هي من الماء وكأنها تعيش داخل البحر , كما ان كل الاعمال الايضية , والتغذية , وطرح الفضلات يتم بواسطة الماء , وهذا الماء كماء المحيطات ولكن اكثر تخفيفا , والماء في اجسام الحيوانات موجود في الخلايا وفي سوائل الجسم وحول الخلايا, ثلث ماء الجسم هو خارج الخلية والثلثين المتبقيين هو داخل الخلايا . لمتوسط ​​الشباب الذكور البالغين فان 18٪ من وزن الجسم هو البروتين والمواد ذات الصلة، 7٪ هي الاملاح المعدنية، و 15٪ هو من الدهون. وال 60٪ المتبقية من المياه.)(كانونك للفسلجة صفحة 2).

واصبح من البديهي وبصورة مطلقة ان لا تكون الحياة بدون الماء داخل الخلية وداخل نواة الخلية , للخلية الحيوانية والبكتيرية والاصغر من ذلك والاكبر.

وسورة الانبياء وهي تعج بالشواهد على الخلق وتدعو الى التفكر ومنها ذكر موضوعنا هذا , هو دعوة الى الايمان بالله في ذلك العصر ,ولم يكن العرب يعرفون هذه المعلومة بهذا المعنى , فهي لم تعرض بان النبات لا ينبت الا بوجود الماء وكما هو المعروف السائد لديهم , او ان الحيوان سيموت بدون وجود الماء , بل ربطت بين الحياة والماء بالجزء الدقيق جدا فالبكتريا لا تموت في التربة الجافة جدا ,لان بداخلها ماء بل ممكن ان تتكيس وتتحول الى سبور جاف جدا (وفي داخل الجزء الحي منه القليل من الماء) وينشط الى بكتريا عند وصول الماء اليه ويبقى في الحياة , او ان القمحة الجافة فيها حياة لان جنينها فيه القليل القليل من الماء ولو جف الماء من البكتريا المكيسة كسبور او ذهب قليل الماء في القمحة فإنها ستموت حتما , وهذا ما لم يكن يعرفه عرب الجاهلية وكانوا يضنون ان القمح جاف تماما وسيعود للحياة اذا سقي بالماء , اما الآية الكريمة فإنها تؤكد بالإطلاق ان لا حياة بدون الماء حتى ولو رأيناه جافا ظاهريا .

من هنا نعلن التحدي ولمدة مفتوحة فانه من يستطيع ان يأتينا باي نوع من الحياة بدون ماء فليسرع لننفض عن هذا القرآن وسنقول له احسنت , واذا عجزت فهذه تذكرة لك لتعود وتتفكر في امر هذا الكتاب العظيم الذي يدعوك ان تؤمن بان هذا القرآن من عند الله (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ)

 

أضف تعليقاً