الألوان في القرآن الكريم معجزه

الألوان في القرآن الكريم معجزه

 

قال تعالي ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ. وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ(27) (28) (فاطر)

 

مختصر أقوال المفسرين في هذه الآية

وهذا استدلال بدليل آخر على وحدانية الله وقدرته المخاطب من هو يحتمل وجهين أحدهما النبـي صلى الله عليه وسلم والآخر هو كل مستمع ، ألم تر   استئناف مسوق لتقرير ما قبله من اختلاف احوال الناس تعلم   أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به   بذلك الماء ثمرات مختلفا ألوانها   أي أجناسها أو أصنافها على ان كلا منها ذو أصناف مختلفة أو هيئاتها وأشكالها أو ألوانها من الصفرة والخضرة والحمرة وغيرها من الشيء الواحد وهو الماء الذي ينزله من السماء يخرج به ثمرات مختلفا ألوانها من أصفر وأحمر وأخضر وأبيض إلى غير ذلك من ألوان الثمار كما هو المشاهد من تنوع ألوانها وطعومها وروائحها كما قال تعالى في الآية الأخرى   وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها   اجناسها واصنافها على أن كلا منها ذو أصناف مختلفة أو هيئاتها من الصفرة والخضرة ونحوهما وبديع حكمته فمن ذلك أن الله تعالى أنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات المختلفات والنباتات المتنوعات ما هو مشاهد للناظرين وقوله   ومن الجبال جدد أي طرائق وخطط   بيض والجدد جمع جدة وهو الطريق قال المبرد جدد طرائق وخطوط قال الواحدي ونحو هذا قال المفسرون في تفسير الجدد وقال الفراء هي الطرق تكون في الجبال كالعروق بيض وسود وحمر واحدها جدة والمعنى أن الله سبحانه أخبر عن جدد الجبال وهى طرائقها أو الخطوط التي فيها بأن لون بعضها البياض ولون بعضها الحمرة وهو معنى قوله   بيض وحمر مختلف ألوانها   مختلف ألوانها الظاهر أن الاختلاف راجع إلى كل لون أي بيض مختلف ألوانها وحمر مختلف ألوانها لأن الأبيض قد يكون على لون الجص وقد يكون على لون التراب الأبيض دون بياض الجص وكذلك الأحمر ولو كان المراد أن البيض والحمر مختلف الألوان لكان مجرد تأكيد لم يذكر مختلف ألوانها بعد البيض والحمر والسود بل ذكره بعد البيض والحمر وأخر السود الغرابيب لأن الأسود لما ذكره مع المؤكد وهو الغرابيب يكون بالغا غاية السواد فلا يكون فيه اختلاف

وقيل بأن الغربيب مؤكد للأسود يقال أسود غربيب والمؤكد لا يجيء إلا متأخرا فكيف جاء غرابيب سود نقول قال الزمخشري غرابيب مؤكد لذي لون مقدر في الكلام كأنه تعالى قال سواد غرابيب ثم أعاد السود مرة أخرى وفيه فائدة وهي زيادة التأكيد لأنه تعالى ذكره مضمرا ومظهرا وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله   ثمرات مختلفا ألوانها   قال الأبيض والأحمر والأسود وفي قوله   ومن الجبال جدد بيض   قال طرائق بيض يعني الألوان

غرابيب الجبال الطوال السود الغربيب تأكيد للأسود يقال أسود غربيب وأسود حلكوك وهو الذي أبعد في السواد وأغرب فيه ومنه الغراب الغربيب تأكيد للأسواد كالفاقع للأصفر ويقال اسود غربيب أي شديد السواد تشبيها بلون الغراب وغرابيب سود   عطف على   بيض   والعرب تقول للشديد السواد الذي لونه كلون الغراب أسود غربيب وقال ابن دريد الغربيب الأسود أحسب أن اشتقاقه من الغراب تقول هذا أسود غربيب أي شديد السواد وإذا قلت غرابيب سود جعلت السود بدلا من غرابيب قال الفراء في الكلام تقديم وتأخير تقديره وسود غرابيب لأنه يقال أسود غربيب وقل ما يقال غربيب أسود

وغرابيب   متحدة اللون وهو تأكيد مضمر يفسره ما بعده فإن الغربيب تأكيد للأسود وقوله تعالى   ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك   أي كذلك الحيوانات من الأناسي والدواب وهو كل ما دب على القوائم والأنعام من باب عطف الخاص على العام كذلك هي مختلفة أيضا فالناس منهم بربر وحبوش وطماطم في غاية السواد وصقالبة وروم في غاية البياض والعرب بين ذلك والهنود دون ذلك وكذلك الدواب والأنعام مختلفة الألوان حتى في الجنس الواحد بل النوع الواحد منهن مختلف الألوان بل الحيوان الواحد يكون أبلق فيه من هذا اللون وهذا اللون فتبارك الله أحسن الخالقين وغربيب   كذلك   هنا تمام الكلام أي كذلك تختلف أحوال العباد في الخشية ثم استأنف فقال   إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور   يعني بالعلماء الذين يخافون قدرته فمن علم أنه عز وجل قدير أيقن بمعاقبته على المعصية وكذلك   أي كاختلاف الثمرات بالألوان

 

التفسير العلمي والإعجاز القرآني لهذه الآية

قال تعالي ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ. وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ(27) (28) (فاطر)

 

 

هذه الاربعين كلمه من كلمات الله هي لوحدها تكفي ان تجعل الجبال تتصدع لو انزلت عليه (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21)), ان فيها من المعاني الكثير , فهي من الآيات الكونية العظيمة التي تتكلم عن المشاهدات الكونية التي كانت تهز القلوب في زمن نزول الرسالة والى يومنا هذا, وهي من الآيات التي فيها تفسير علمي ذو اثر عظيم في انفس العلماء في وقتنا هذا, فهي فيها علم عظيم , وهي كذلك فيها احدى المعجزات القرآنية العلمية والقرآن كله معجزات, وسنرى ذلك كله بالتفصيل.

جل موضوع هذه الآيات هو اللون وفيزياء اللون بالرغم من اشتمالها على علوم اخرى فان فيزياء اللون والتغير والتنوع في الالوان هو السائد وسنذكر موضوع النور معها.

نبتدأ اولا بتوضيحها كآيات كونيه تتحدث عن خلق الله وعجائبه.

يبتدأ مقطع من سورة فاطر جديد، وكل سورة فاطر تدور حول نفس المحور، محور الإيمان بالمغيبات بربطه بالمشهود، وهنا يوضح سبحانه وتعالى بعض آياته في الخلق ويطلب منا التدبر والنظر فيها (أَلَمْ تَرَ) ، أنزل الله سبحانه وتعالي المطر من السماء ونزول المطر أية عظيمة في حد ذاته وكما وضحنا سابقاً فلا زال في نزول المطر الكثير من الإسرار، ولكن الله سبحانه وتعالي وجه نظرنا هنا إلى ابعد من نزول المطر و أسراره وعجائبه وبرقه ورعده، وجه نظرنا إلى النتائج التي تحدث بعد نزول المطر، والنتيجة هي زرعاً أخضر وخاصة في الصحراء والمناطق قليلة المطر، فأول ما ترى من نتائج نزول المطر هو زرع أخضر وبلون واحد تقريباً مع اختلاف بسيط في الخضرة، فبالرغم من أن الصحراء وغيرها من الأراضي تنبت مئات آلاف الأنواع من الأشجار والأعشاب ولكن لا نكاد نجد من هذه الأنواع الكثيرة اختلاف في ألوانها عند ابتداء إنباتها فكلها خضراء، ولكن يمر الوقت فتثمر الأشجار والأعشاب ثمرا مختلف ألوانه فالله سبحانه وتعالي يقول (فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا) ثمرات وليس أنواع، فالثمار حتى لنفس النوع والصنف مختلفا ألوانها فمثلا هناك تفاح اصفر وتفاح احمر وتفاح اخضر وتفاح ابيض، وهكذا جعل سبحانه وتعالي نهاية نزول المطر هو هذه الفاكهة المتعددة الألوان، أليس ذلك كافي ليدل على وجود خالق وراء هذا الكون يستحق العبادة سبحانه وتعالي هو الخلاق العليم. ثم يوجهنا سبحانه وتعالي الى النظر الى الجبال، هذه المخلوقات العظيمة، والجبال تحيط بمكة واعتادوها أهلها ولكن بقيت لها هيبة عظيمة في انفس أهل مكة، كذلك لها هيبه عند كل البشر، فلا زال تسلق الجبال وقهرها مما يفخر به البشر، كان كفار قريش يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم عن الجبال أين سيؤول مئالها فيجيبهم سبحانه وتعالي ( قل ينسفها ربى نسفا) فالجبال هي أحد شواهد الخلق العظيم من حولنا وكل الجبال حتى الصغير منها لابد أن يثير في نفس الإنسان الدهشة فيقف يتأمله، ويتأمل ألوانه وأشكاله فهذه الجبال بيضاء مقلمه من الأبيض الناصع الى الكريمى إلى الأسمر ألى الأبيض بحمره وهى زاهيه جميلة بهذه الخطوط التي تكون مائلة أو عمودية أو أفقية وخاصةً علي حافات الهضاب والوديان حيث أن عمليات التعرية تؤثر علي طبقة اكثر من الأخرى والنتيجة هى تمايز الطبقات وتكوين مناطق يستعملها البشر كطرق له (جدد ) ومع هذه الجبال الجميلة هناك جبال بشكل مختلف تثير في نفس الانسان الخوف وهي الجبال السوداء وكأنها غربان قد حطت وتكدست على بعضها (وَغَرَابِيبُ سُودٌ) مما يثير الكثير من الدهشة أنها بمنظر يختلف عن الجبال الجدد البيض والحمر المختلفة الألوان ، أنها سوداء متكدسة على بعضها، إلا يثير ذلك في نفس الكافر ما يهز قلبه ويرفع عنه كفره ليؤمن فيرى ان وراء هذه الجبال خالقا عظيما يستحق العبادة، الا تدل على أن الخالق العظيم يخلق جبالا بهذه العظمة وبكل أشكالها وألوانها وبكل ارتفاعها وصخورها ووديانها.

ولكن ليس الجبال فقط بل أنظر إلي كل الخلائق التي تدب علي الأرض، أنظر الي الناس والوانهم فهذا اسمر وهذا اسود وهذا اشقر وهذا اصفر، كذلك هناك في كل ما دب علي الارض الوانا مبهره فالفراشات الرائعة الجمال فيها الكثير من الألوان التي تأخذ العقل وكذلك في الزواحف والحيات والضفادع والسحالي فهناك ما هو بألوان تأخذ العقل، أما من الطيور فلا يوجد اجمل من ألوانها المغردة منها والمهاجرة والعصافير والطيور أضافه إلي آلاف الحيوانات الأليفة وغير الأليفة الرائعة الجمال، كل هذه الألوان جميلة جداً، إضافة الي الأنعام من جمال واغنام وأبقار بكل الألوان يضاف إليها ما في الخيل من سحر وزينة ما بعدها زينة لا زال ملوك العالم يتفاخرون بها، أكل هذه ليست داله واضحة أنها من عند الله وان ورائها خالق عظيم، الجمال والألوان اعتبرها افلاطون مع الحب اعظم الدلالات على وجود خالق فكم في خلق الله عظيم يهز قلوب الناس وخاصة منهم العلماء (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) فلابد للنظر والتمعن في الخلق أن يكون له اثر في النفس، هذا ما استخلصه وفهمه المسلمون في عصر نزول الرسالة من هذه الآيات، وكانت تهز القلوب وتتدغدغ العواطف وتأثر بالناس أنها من آيات القرآن الكونية .

والتفسير العلمي لهذه الآية, فبعد ظهور العلم اخذ الناس يرون في هذا الكلام عمقا اخر، فعندما يقول سبحانه وتعالي(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء) فالرؤيا هنا رويا بصرية ورويا ذهنية، والمقصود بالرؤيا البصرية هو عملية الأبصار والتي تتم من خلال عملية انعكاس الضوء من الأجسام فيدخل إلى العين بطريقة تشبه عملية جمع الضوء في العدسة المحدبة وينتهى بسقوط حزمة مركزة داخل العين علي الشبكية والتي تقوم بتحليلها وتحويله إلي موجات كهربائية تنتهي في قشرة الدماغ ليفسرها، أما النظر الفكري والرؤية الفكرية فهو المقصود به امعان الفكر ومراجعة المعلومات لمعرفة أسس واصول ظاهرة نزول المطر ، فعملية نزول المطر عملية معقدة جداً ولو رجعنا الى عملية نزوله والكيفية التي يتم فيه التكاثف وتأثير الرياح علي ذلك، حيث ان الله سبحانه وتعالي جعل عامل الرياح من أهم العوامل المؤثرة لنزول المطر، وبدقة علمية كبيرة جداً، أن سمائنا ركبت بحيث أن الرطوبة الخارجة من الأرض أن كانت من التبخر من مياه البحار والمحيطات أو من الماء المتبخرة من الأرض والزرع يتكاثف مرة أخرى ويرجع مطرا، ولو راجعنا كيف أن الله يأمرنا في الآية التي ذكرناها سابقاً والتي تدعونا إلى التفكر والنظر في نزول المطر فيقول سبحان وتعالى ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ ) فأعطانا صورة علمية دقيقة لنزول المطر ، يسوق الرطوبة بالريح ثم يألالف بينه بالتكاثف ثم يجعله ركاما حتي ينزل المطر بعد ان تتجمع حبات صغيرة ثم يكون سبحانه وتعاله الودق ثم تكبر لتنزل قطرة مطر ، وبعد نزول الماء فإنها ستوثر في البذور الموجودة في الأرض فتبدا عملية انبات سببه الرئيس هو الماء النازل أو الماء الذي يذهب إلى الأرض ويجري في الانهار فيسقي الاراضي البعيدة ويسقي انواع كثيرة من الزروع والفواكه وفي اخر المطاف سوف تثمر هذه الزروع ، فثمره هو نتائج نزول المطر ، هذه الثمرة تظهر بألوان مختلفة, وسبب هذه الالوان وجود نسب مختلفة من الكلوروفيل والزانثين ولكاروتين والالوان النباتية ، اضافة الي اختلاف في التركيب الخلوي داخل سطوح هذه الثمار والذي ينعكس فيه فيعطي الوانه فمنها الاحمر ومنها الاصفر ومنها الازرق اضافة الى الاخضر وبكل الالوان ، وجود الصبغات بنسب مختلفة إضافة إلى انعكاسات وتداخلات لونية تعطي درجات مختلفة من الوان تنتهي الى تكوين (ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا).

وبالنظر الى الجبال فإنها بيضاء وبألوان مختلفة ، ومقلمة او مشطبة او مطرقة ( جدد ) وهذا التقليم سببه ان كل الصخور على سطح الكرة الارضية تكونت من طبقات رسوبية مختلفة ابتدأت بالتكوين من اول ابتداء تكون الارض ، ان الارض اصلا ( ونقصد بالأرض قشرة الارض) تكونت من نزول اعداد هائلة من الشهب فكونت هذه الطبقات المختلفة اضافة الى ان الارض كانت كلها مغمورة تحت الماء وان الترسبات في البحار او اثناء تكوين الرسوبيات الاولية نتجت عنها طبقات مختلفة والتي تصلب نتيجة الضغط والحرارة وكونت هذه الصخور والتي نسميها القشرة الارضية ، اسمك الاماكن في القشرة الارضية هي القارات اما تحت البحار فسمك القشرة الارضية قليل ، وعند حدوث التواء او انكسار في القشرة الارضية تتكون الجبال ، لذلك فإننا سنرى نفس الطبقات الصخرية وقد ارتفعت نحو الاعلى وقد نجد على اعلى الجبال ترسبات بحرية ، هذه الترسبات والتي كونت الخطوط في الجبال او ما نسميه التقليم تحتوى على اكاسيد المعادن بنسب مختلفة مما يؤدى الى تلونها بألوان مختلفة ، ولكن معظمها اقرب الى الابيض ، وبإضافات لونية قليله سنرى هناك ابيض كريمي او اسمر او ابيض بحمرة او ابيض بزرقة خفيفة فسيطر الون الابيض على الجبال ، ومن الجبال ما فيها اكاسيد بنسب عالية للحديد ولكروم والنيكل مما يعطيها لونا احمر قويا ، وهو لون متميز بالنسبة للجبال ، والون الاحمر فيها بدرجات مختلفة فمنه الاحمر الشديد الحمرة ومنه قليل الحمرة ومن الجبال ما هو قريب من البرتقالي ، وهذه الجبال الملونة كلها تعتبر من القشرة الارضية ، هناك جبال ناتجه عن صخور قادمة من تحت القشرة وتكون هذه الصخور في عمومها سوداء وداكنة اللون وخالية من الطبقات والتقليم لذلك ذكرها سبحانه وتعالى لوحدها وقال عنها ( وغرابيب سود ) فهي بسوادها كالغربان ، وهذه الجبال والصخور تكونت نتيجة ثورات البراكين والتي تحدث نتيجة تسرب صهارة الارض خلال شقوق في القشرة الارضية فتخرج هذه الصخور نتيجة الضغط الشديد داخل الارض ، وتتكون في بعض الاحيان سلاسل جبليه من هذه البراكين كما في سلسلة جبال الحجاز فلها صخور بنوعية معلومة ، والمتأمل بالجبال بنوعيها الملونة بالأبيض والاحمر او السوداء التي كالغربان سوف يرى فيها كل ما يتخيل الانسان من الوان ومعادن ، وعملية تكون الجبال والوانها داله اخرى عظيمة على وجود الله ويقول سبحانه وتعالى (وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ ) فمن الناس لأن البشر ثبت علميا انهم من اب واحد ، ولا يمكن ان يكونوا الا كذلك ولكن وجد ان هناك في الخارطة الجينية المتكونة من ملايين الجينات يوجد جين واحد يحدد كمية الميلانين في خلايا جلد الانسان ، وهذه الصبغه ( الميلانين ) عملها هو امتصاص الضوء ، وكل ما زادت عملية الامتصاص كل ما كان مظهر البشرة داكن أي ان الانسان الاسود يمتص الضوء الساقط عليه ، ولكن لا يوجد انسان اسود سواده يمتص كل الالوان ابدا وذلك لسببين ان هناك مناطق من الجلد في الكفيين والشفاه وحول العينيين دائما تكون سوادها قليل وكذلك هناك كمية من الاختراق والانعكاس الداخلي من خلال الغدد العرقية وحول الشعر فينعكس من داخلها لون احمر ، فالإنسان ليس كالجبال بل في اشد السواد حلكه فيه لون ، وهناك من الناس من جلده خالي تقريبا من مادة الميلانين مما يعطيه لونا ابيض متسببا من انعكاس ضوئي كامل وعلى درجات مختلفة داخل طبقات خلايا جلد الانسان الى ان يصل الى انعكاس كل الالوان فتعطى اللون الابيض وهناك انواع من الجلد اقرب الى الشفافية حيث يكون فيها الانعكاس من الاوعية الدموية الدقيقة المليئة بالدم مما يعطى الانسان لونا قريبا من الاحمر ، وهناك مرض سببه اختفاء جينة انتاج الميلانين فيكون النتيجة هو مرض ( الالبنة )بفتح الالف والباء والنون وسكون اللام، حيث يكون الانسان شفافا تقريبا مع ضعف شديد في البصر بسبب عدم وجود لون في قزحية عينه ، والحيوانات بألوانها المختلفة فمعظم الوان الحيوانات قادم من كمية الميلانين في جلدها وشعرها وعيونها ، وهناك صبغتين اقل اهمية تدخل في التلوين ، وهناك من الحيوانات التي تستطيع تغير لونها بسرعه كبيرة جدا كالحرباء والتي تستطيع اخفاء نفسها بسرعه بأخذ الوان المحيط لها ، والحشرات فيها الكثير من الالوان فمنها البراقة ومنها تعطى الوان القوس قزح ومنها غريب جدا ، وكلها لها نفس الطريقة في التلون ابتداء من امتزاج الالوان الاساسية بسبب الصبغات التي جعلها الله سبحانه وتعالى فيها او بسبب نظام خاص في خلايا جسمها يؤدى الى الاستطارة والبراقية ، ولكن هل هذه من اصل الطبيعة ، فهل هناك حاجه لأن يكون الديك له عرف جميل والوان ريشة براقة لأن يبقى ويستمر على الارض ، وهل هناك حاجه للسمكة او الفراسة لأن تكون بهذه الالوان الجميلة وبحلقات واشكال وخطوط ملونه لكى تعيش على سطح الكرة الارضية ، وهل ان الهرة الجميلة بالفرو الوثير تبقى وتعيش احسن من القطة الشبة جرداء ، لم يثبت علميا أي من ذلك ولكن ليس هناك الا اللمسة الربانية في خلقة ، انه الجمال وان الله جميل ويحب الجمال فهاذا الذى وضعه سبحانه وتعالى في خلقة ، انه التدبير الالهى الذى اراد ان يجعل الارض في اجمل واحسن صورة لتكون مناسبة للإنسان ولامتحانه (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) (الكهف)

هذا الجمال هو من اهم الدلالات على وجود الخالق العظيم سبحانه وتعالى.

هذا التفسير العلمي زاد العلماء تمسكا بالدين اكثر واعمق فالعلماء الذين يعلمون هذه المعلومات ما كان لهم الا ان يخروا ساجدين لله خشية واعترافا ان هذا الدين من عند الله فلا يمكن ان يكون كل هذا العلم الا من الله فكيف لأمي ان يعرف كل هذه العلوم ولن يكون هناك من خالق الا الله والله عزيز غفور .

 

ومما يظهر في هذه الآية من اعجاز عظيم فإننا سنوضحه فهو اعمق من كونها آيات كونية واعمق من تفسيرها العلمي .

يتكلم سبحانه وتعالى هنا عن الالوان أي ان الموضوع لا يخص الانواع ، فلو راجعنا الآية الكريمة فان الله سبحانه وتعالى جعل نتاج المطر ليس نبات مختلف انواعه بل قال ثمار مختلف الوانه (فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا) فالثمار مختلفة الالوان وليس الزرع الذى كله بلون اخضر ولا اختلاف فيه هذا واضح من سياق الآية وكذلك ذكر سبحانه وتعالى الوان الجبال فذكرها بيضاء مقلمة وحمراء مختلفة وسوداء وكذلك من البشر والانعام والحيوانات كافه هناك الوان مختلفة ، واللون الابيض هو عباره عن مزيج من الالوان فعندما قام نيوتن قبل اكثر من 250 سنه بتحليل ضوء الشمس بواسطة المنشور تكون الناتج على الشاشة سلسلة الوان تبدأ من الاحمر الغامق وتنتهى بالبنفسجي ، وبعد دراسة اوليه وضع الوان اساسية ثلاثة وهى الاحمر والاخضر والازرق فلو جمعناها فتتكون اللون الابيض ، اثبتت الدراسات ان الضوء هو موجه كهرومغناطيسية ووجد ان طول الموجه في الاحمر 700 نانوميتر والبنفسجي هو 350 نانوميتر وباقي الالوان هو ما بين هاذين الطولين الموجيين ،كما انه وجد ان هناك اطوال موجيه اطول من 700 ننو ميتر واقصر من 350 ننو ميتر ولكن لا يمكن للعين رأيتها وبدراسة معمقة اكثر وجد ان جهاز فرز الالوان في الكمبيوتر الموجود في وقتنا فرز اكثر من 350 الف لون مرئي وكل لون او درجة لونية يمكن اعطائها رمز حاسوبي في المنظور من الطيف الضوئي ، كما وجد ان عملية تمييز اللون تأتى بواسطة مستلمات خاصة في شبكية العين ، فكما عرفنا سابقا فان في عين الانسان اربعة ملايين مستلم ضوئي من نوع المخاريط الذى يستجيب للون ووجد ان هناك ثلاث انواع من هذه المخاريط ( S-L-M ) كل واحده منها تستجيب بلون خاص ( كانون للفسلجة صفحة 159 ) وهناك عملية معقده في طريقة نقل هذه الالوان حيث ان العصب الواحد ينقل اكثر من لون وفي جزء محدد من العصب البصرى ونحن هنا ذكرنا من الالوان الابيض وهو مجموع الالوان الأساسية الثلاثة أي ان الانعكاس تام فكل الالوان تنعكس ، وهناك الاحمر حيث ان السطح يمتص اللون الخضر واللون الازرق ويعكس الاحمر وهكذا الالوان الاخضر والازرق او الالوان السبعة او الالوان من 350 الف كما فرزها الكمبيوتر ولكن لم نذكر اللون الاسود بينها ، يقول ( كانون ) ( نحس باللون الاسود عندما لا يوجد احساس بلون في مستلمات المخاريط او العصى ) أي هو حاله عدم وجود لون ففي المنطقة البيضاء كل الالوان تستلم من قبل العين وتفسر كذلك فاذا كان هناك نقطة سوداء فهاذا يعنى ان المنطقة ليس فيها اى تحفيز لذلك سيفسرها الدماغ بانها سوداء ، ولو اخذنا لونا اسود ووضعناه في الكمبيوتر وقمنا بفرز الوان له فان النتيجة ستكون ( عدم وجود لون ) فالأسود علميا هو حاله اللا لون او في التفسير الادق هو حاله عدم وجود انعكاس لوني ، أي ان السطح الاحمر في حاله الظلام الدامس سيكون اسود لعدم وجود انعكاس لونى منه ، فكيف ذكر سبحانه وتعالى اللون الاسود ؟‍‍! يقول سبحانه وتعالى (وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ) ذكرها سبحانه بأسلوب ادبي جميل ولكن هذا ليس بقول العرب ، فالعرب اما ان تقول جبال سوداء وبيضاء والوان اخرى مختلفة كاللون الاحمر ) حيث ان عندهم الاسود يقابل الابيض لذلك تأتى سويا في كلامهم او ان يقولوا ( بيضاء وسوداء وحمراء مختلفة الالوان ) او اذا أرادوا التمييز فيقولو ( جبال بيضاء مقلمة وحمراء مختلفة الألوان وجبال بلون أسود ) ولا يتعدى قول العرب هذه الاشكال الثلاثة ، ولكننا نعرف ان الحالات الثلاثة في قول العرب هو خطا علمي فادح حيث سيدخل الاسود كلون ، ولكن وعلى عادة القران فانه يأتي وحتى في سياق القصص والاخبار بأسلوب يقبله العرب ولا يستطيعوا الاعتراض عليه لجمال نظمه ودقة تعبيره وفي نفس الوقت يأتي دقيق علميا ، فمن اعلم رسول الله ان الاسود ليس بلون وهم لم يكونوا يعتقدوا ذلك ابدا . اضافة الى ذلك فان معظم العلماء كان يعتقد ان اللون الاحمر هو لون واحد في الطبيعة ، فوجدوا في التحليل الكمبيوتري لأى لون احمر طبيعي انه يحتوى على مئات الدرجات اللونية مجتمعه ، لذلك ذكرة سبحانه وتعالى فقال (وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا) .

والبشر والحيوانات والتي فيها الاسود قال عنها سبحانه وتعالى (وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ) فلم يجدو أي اسود في الحيوانات او في البشر خالي من اللون وغالبا ما يظهر فيه اثر انعكاس اللون الاحمر من الغدد العرقية و-حول بصيلات الشعر اضافه الى الالوان الفاتحة في اليد والشفاه وحول العينين ، فهكذا جاء كلام رب العزة ادق من الدقيق .

ونبذة صغيره عن موضوع سياتي لاحقا ان شاء الله وهو النور والضوء في القرآن الكريم نذكره هنا لصلته بموضوعنا ، فالنور ذكر كثيرا في القرآن الكريم ولكني وجدت في كل ما ذكر انه المقصود به الضوء النافع من الطيف وبالأخص المرئي اما الضوء فهو عام ولم يأتي الاعرف عنه من مصدر أضاءه فالشمس ضياء والنار أضاءت ما حولها ويكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار وهكذا بينما النور فهو دالة النضر ، وما يخصنا هنا هوان الله سبحانه وتعالى اسبق الآيتين موضوع البحث بقوله سبحانه(وان يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير) وهنا انعكاس النور على الكتاب يكفي لان يكون مرئيا ولكن اللوحة المنيرة اكثر جذبا واقوى تأثيرا كالإعلان الضوئي فالله سبحانه وتعالى جعل الكتاب منيرا ومع هذا لم يجلب اهتمامهم اي المبالغة بالوضوح والسطوع لذلك اخذهم الله فكيف كان نكير ، ثم جاءت الآية ( الم تر ان الله انزل من السماء الى آخر الآية ) فوضحت الالوان التي في النور وهل تستوي الظلمات والنور ؟ وسنوضح ذلك في مقامه

 

 

اقوال المفسرين لمن يحب الاطلاع عليها

 

أضواء البيان – الشنقيطي ج6/ص284

ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدوآب والانعـام مختلف ألوانه كذلك   قد قدمنا الكلام عليه في سورة الروم في الكلام على قوله تعالى   ومن ءايـاته خلق السمـاوات والارض واختلـاف ألسنتكم وألوانكم   وبينا هناك دلالة الآيات على أنه جل وعلا هو المؤثر وحده وأن الطبائع لا تأثير لها إلا بمشيئته تعالى

 

التفسير الكبير – الرازي ج26/ص18

ثم قال تعالى ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها

وهذا استدلال بدليل آخر على وحدانية الله وقدرته وفي تفسيرها مسائل

المسألة الأولى ذكر هذا الدليل على طريقة الاستخبار وقال ألم تر وذكر الدليل المتقدم على طريقة الأخبار وقال والله الذى أرسل الرياح وفيه وجهان الأول أن انزال الماء أقرب إلى النفع والمنفعة فيه أظهر فإنه لا يخفى على أحد في الرؤية أن الماء منه حياة الأرض فعظم دلالته بالاستفهام لأن الاستفهام الذي للتقرير لا يقال إلا في الشيء الظاهر جدا كما أن من أبصر الهلال وهو خفي جدا فقال له غيره أين هو فإنه يقول له في الموضع الفلاني فإن لم يره يقول له الحق معك إنه خفي وأنت معذور وإذا كان بارزا يقول له أما تراه هذا هو ظاهرا والثاني وهو أنه ذكره بعدما قرر المسألة بدليل آخر وظهر بما تقدم للمدعو بصارة بوجوه الدلالات فقال له أنت صرت بصيرا بما ذكرناه ولم يبق لك عذر ألا ترى هذه الآية

المسألة الثانية المخاطب من هو يحتمل وجهين أحدهما النبـي صلى الله عليه وسلم وفيه حكمة وهي أن الله تعالى لما ذكر الدلائل ولم تنفعهم قطع الكلام معهم والتفت إلى غيرهم كما أن السيد إذا نصح بعض العبيد ومنعهم من الفساد ولا ينفعهم الإرشاد يقول لغيره اسمع ولا تكن مثل هذا ويكرر معه ما ذكره مع الأول ويكون فيه إشعار بأن الأول فيه نقيصة لا يستأهل للخطاب فيتنبه له ويدفع عن نفسه تلك النقيصة والآخر أن لا يخرج إلى كلام أجنبـي عن الأول بل يأتي بما يقاربه لئلا يسمع الأول كلاما آخر فيترك التفكر فيما كان فيه من النصيحة

المسألة الثالثة هذا استدلال على قدرة الله واختياره حيث أخرج من الماء الواحد ثمرات مختلفة وفيه لطائف الأولى قال أنزل وقال أخرجنا وقد ذكرنا فائدته ونعيدها فنقول قال الله تعالى الم ترى أن الله أنزل فإن كان جاهلا يقول نزول الماء بالطبع لثقله فيقال له فالإخراج لا يمكنك أن تقول فيه إنه بالطبع فهو بإرادة الله فلما كان ذلك أظهر أسنده إلى المتكلم ووجه آخر هو أن الله تعالى لما قال أن الله أنزل علم الله بدليل وقرب المتفكر فيه إلى الله تعالى فصار من الحاضرين فقال له أخرجنا لقربه ووجه ثالث اللطيفة الثانية قال تعالى ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والانعـام مختلف ألوانه كذلك

كأن قائلا قال اختلاف الثمرات لاختلاف البقاع ألا ترى أن بعض النباتات لا تنبت ببعض البلاد كالزعفران وغيره فقال تعالى اختلاف البقاع ليس إلا بإرادة الله وإلا فلم صار بعض الجبال فيه مواضع حمر ومواضع بيض والجدد جمع جدة وهي الخطة أو الطريقة فإن قيل الواو في ومن الجبال ما تقديرها نقول هي تحتمل وجهين أحدهما أن تكون للاستئناف كأنه قال تعالى وأخرجنا بالماء ثمرات مختلفة الألوان وفي الأشياء الكائنات من الجبال جدد بيض دالة على القدرة رادة على من ينكر الإرادة في اختلاف ألوان الثمار ثانيهما أن تكون للعطف تقديرها وخلق من الجبال قال الزمخشري أراد ذو جدد واللطيفة الثالثة ذكر الجبال ولم يذكر الأرض كما قال في موضع آخر وفى الارض قطع متجـاورات مع أن هذا الدليل مثل ذلك وذلك لأن الله تعالى لما ذكر في الأول أخرجنا به ثمرات كان نفس إخراج الثمار دليلا على القدرة ثم زاد عليه بيانا وقال مختلفا كذلك في الجبال في نفسها دليل للقدرة والإرادة لأن كون الجبال في بعض نواحي الأرض دون بعضها والاختلاف الذي في هيئة الجبل فإن بعضها يكون أخفض وبعضها أرفع دليل القدرة والاختيار ثم زاده بيانا وقال جدد بيض أي مع دلالتها بنفسها هي دالة باختلاف ألوانها كما أن إخراج الثمرات في نفسها دلائل واختلاف ألوانها دلائل

المسألة الرابعة مختلف ألوانها الظاهر أن الاختلاف راجع إلى كل لون أي بيض مختلف ألوانها وحمر مختلف ألوانها لأن الأبيض قد يكون على لون الجص وقد يكون على لون التراب الأبيض دون بياض الجص وكذلك الأحمر ولو كان المراد أن البيض والحمر مختلف الألوان لكان مجرد تأكيد والأول أولى وعلى هذا فنقول لم يذكر مختلف ألوانها بعد البيض والحمر والسود بل ذكره بعد البيض والحمر وأخر السود الغرابيب لأن الأسود لما ذكره مع المؤكد وهو الغرابيب يكون بالغا غاية السواد فلا يكون فيه اختلاف

المسألة الخامسة قيل بأن الغربيب مؤكد للأسود يقال أسود غربيب والمؤكد لا يجيء إلا متأخرا فكيف جاء غرابيب سود نقول قال الزمخشري غرابيب مؤكد لذي لون مقدر في الكلام كأنه تعالى قال سواد غرابيب ثم أعاد السود مرة أخرى وفيه فائدة وهي زيادة التأكيد لأنه تعالى ذكره مضمرا ومظهرا ومنهم من قال هو على التقديم والتأخير ثم قال تعالى ومن الناس والدواب والانعـام استدلالا آخر على قدرته وإرادته وكأن الله تعالى قسم دلائل الخلق في العالم الذي نحن فيه وهو عالم المركبات قسمين حيوان وغير حيوان وغير الحيوان إما نبات وإما معدن والنبات أشرف وأشار إليه بقوله فأخرجنا به ثمرات ثم ذكر المعدن بقوله ومن الجبال ثم ذكر الحيوان وبدأ بالأشرف منها وهو الإنسان فقال ومن الناس ثم ذكر الدواب لأن منافعها في حياتها والأنعام منفعتها في الأكل منها أو لأن الدابة في العرف تطلق على الفرس وهو بعد الإنسان أشرف من غيره وقوله مختلف ألوانه فذكر لكون الإنسان من جملة المذكورين وكون التذكير أعلى وأولى

الخشية بقدر معرفة المخشي والعالم يعرف الله فيخافه ويرجوه وهذا دليل على أن العالم أعلى درجة من العابد لأن الله تعالى قال إن أكرمكم عند الله أتقـاكم فبين أن الكرامة بقدر التقوى والتقوى بقدر العلم فالكرامة بقدر العلم لا بقدر العمل نعم العالم إذا ترك العمل قدح ذلك في علمه فإن من يراه يقول لو علم لعمل ثم قال تعالى إن الله عزيز غفور ذكر ما يوجب الخوف والرجاء فكونه عزيزا ذا انتقام يوجب الخوف التام وكونه غفورا لما دون ذلك يوجب الرجاء البالغ وقراءة من قرأ بنصب العلماء ورفع الله معناها إنما يعظم ويبجل الدر المنثور – السيوطي ج7/ص18

الآيات 27 – 28 أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله   ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها   قال أحمر وأصفر   ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها   أي جبال حمر   وغرابيب سود   والغرابيب السود يعني لونه كم اختلفت ألوان هذه الجبال وألوان الناس والدواب والأنعام كذلك   إنما يخشى الله من عباده العلماء   قال كان يقال كفى بالرهبة علما

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله   ثمرات مختلفا ألوانها   قال الأبيض والأحمر والأسود وفي قوله   ومن الجبال جدد بيض   قال طرائق بيض يعني الألوان

وأخرج البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أيصبغ ربك قال نعم

صبغا لا ينقض

أحمر

وأصفر

وأبيض

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له أخبرني عن قوله   جدد   قال طرائق

طريقة بيضاء وطريقة خضراء

قال وهل تعرف العرب ذلك قال نعم

أما سمعت الشاعر وهو يقول قد غادر السبع في صفحاتها جددا كأنها طرق لاحت على أكم وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله   ومن الجبال جدد بيض   قال طرائق بيض   وغرابيب سود   قال جبال سود

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال الغرابيب الأسود الشديد السواد

وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله   مختلفا ألوانها   قال منها الأحمر والأبيض والأخضر والأسود وكذلك ألوان الناس منهم الأحمر والأسود والأبيض وكذلك الدواب والأنعام

وأخرج ابن أبي شيبه وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله   ومن الجبال جدد   قال طرائق تكون في الجبل بيض وحمر فتلك الجدد   وغرابيب سود   قال جبال سود   ومن الناس والدواب والأنعام  

قال كذلك اختلاف الناس والدواب والأنعام كاختلاف الجبال

ثم قال   إنما يخشى الله من عباده العلماء   فلا فضل لما قبلها

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله   ومن الجبال جدد بيض   قال طرائق مختلفة كذلك اختلاف ما ذكر من اختلاف ألوان الناس والدواب والأنعام كذلك كما اختلفت هذه الأنعام تختلف الناس في خشية الله كذلك

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال الخشية والإيمان والطاعة والتشتت في الألوان

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما   إنما يخشى الله من عباده العلماء   قال العلماء بالله الذين يخافونه

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله   إنما يخشى الله من عباده العلماء   قال الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير

وأخرج ابن أبي حاتم وابن عدي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال ليس العلم من كثرة الحديث ولكن العلم من الخشية

وأخرج ابن المنذر عن يحيى بن أبي كثير قال العالم من خشي الله

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن صالح أبي الخليل رضي الله عنه في قوله   إنما يخشى الله من عباده العلماء   قال أعلمهم بالله أشدهم له خشية

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سفيان عن أبي حيان التيمي عن رجل قال كان يقال العلماء ثلاثة

عالم بالله وعالم بأمر الله وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله

فالعالم بالله وبأمر الله الذي يخشى الله ويعلم الحدود والفرائض

والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود ولا الفرائض والعالم بأمر الله ليس بعالم بالله الذي يعلم الحدود والفرائض ولا يخشى الله

وأخرج ابن أبي حاتم وابن عدي عن مالك بن أنس رضي الله عنه قال إن العلم ليس بكثرة الرواية إنما العلم نور يقذفه الله في القلب

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال الإيمان من خشي الله بالغيب ورغب فيما رغب الله فيه وزهد فيما أسخط الله

ثم تلا   إنما يخشى الله من عباده العلماء  

وأخرج عبد بن حميد عن مسروق قال كفى بالمرء علما أن يخشى الله وكفى بالمرء جهلا أن يعجب بعمله

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال كفى بخشية الله علما وكفى باغترار المرء جهلا وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال الفقيه من يخاف الله

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن العباس العمي قال بلغني أن داود عليه السلام قال سبحانك تعاليت فوق عرشك وجعلت خشيتك على من في السموات والأرض فأقرب خلقك إليك أشدهم لك خشية وما علم من لم يخشك وما حكمة من لم يطع أمرك

وأخرج أحمد في الزهد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال ليس العلم بكثرة الرواية ولكن العلم الخشية

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي والحاكم عن الحسن رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العلم علمان

علم في القلب فذاك العلم النافع

وعلم على اللسان فتلك حجة الله على خلقه

وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة قال بحسب المرء من العلم أن يخشى الله

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون وبنهاره إذا الناس يفطرون وبحزنه إذا الناس يفرحون وببكائنا إذا الناس يضحكون وبصمته إذا الناس يخلطون وبخشوعه إذا الناس يختالون وينبغي لحامل القرآن أن لا يكون صخابا ولا صياحا ولا حديدا

وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن وهب بن منبه قال أقبلت مع عكرمة أقود ابن عباس رضي الله عنهما بعدما ذهب بصره حتى دخل المسجد الحرام فإذا قوم يمترون في حلقة لهم عند باب بني شيبة فقال أمل بي إلى حلقة المراء فانطلقت به حتى أتاهم فسلم عليهم فأرادوه على الجلوس فأبى عليهم وقال انتسبوا إلي أعرفكم فانتسبوا إليه فقال أما علمتم أن لله عبادا أسكتتهم خشيته من غير عي ولا بكم إنهم لهم الفصحاء النطقاء النبلاء العلماء بأيام الله غير أنهم إذا ذكروا عظمة الله طاشت عقولهم من ذلك وانكسرت قلوبهم وانقطعت ألسنتهم حتى إذا استقاموا من ذلك سارعوا إلى الله بالأعمال الزاكية فأين أنتم منهم ثم تولى عنهم فلم ير بعد ذلك رجلان

وأخرج الخطيب فيه أيضا عن سعيد بن المسيب قال وضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه للناس ثماني عشرة كلمة حكم كلها قال ما عاقبت من عصى الله فيك مثل أن تطيع الله فيه وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك منه ما يغلبك ولا تظنن بكلمة خرجت من مسلم شرا أنت تجد لها في الخير محملا ومن عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء الظن به

من كتم سره كانت الخيرة في يده وعليك بأخوان الصدق تعش في أكنافهم فإنهم زينة في الرخاء عدة في البلاء وعليك بالصدق وإن قتلك ولا تعرض فيما لا يعني ولا تسأل عما لم يكن فإن فيما كان شغلا عما لم يكن ولا تطلب حاجتك إلى من لا يحب نجاحها لك ولا تهاون بالحلف الكاذب فيهلكك الله ولا تصحب الفجار لتعلم من فجورهم واعتزل عدوك واحذر صديقك إلا الأمين ولا أمين إلا من خشي الله وتخشع عند القبور وذل عند الطاعة واستعصم عند المعصية واستشر الذين يخشون الله فإن الله تعالى يقول   إنما يخشى الله من عباده العلماء  

وأخرج عبد بن حميد عن مكحول قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العالم والعابد فقال فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم

ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية   إنما يخشى الله من عباده العلماء   ثم قال إن الله وملائكته وأهل السماء وأهل الأرض والنون في البحر ليصلون على معلمي الخير  

 

الكشاف – الزمخشري ج3/ص618

ألوانها أجناسها من الرمان والتفاح والتين والعنب وغيرها مما لا يحصر أو هيئاتها من الحمرة والصفرة والخضرة ونحوها والجدد الخطط والطرائق قال لبيد   أو مذهب جدد على ألواحه

ويقال جدة الحمار للخطة السوداء على ظهره وقد يكون للظبي جدتان مسكيتان تفصلان بين لوني ظهره وبطنه وغرابيب معطوف على بيض أو على جدد كأنه قيل ومن الجبال مخطط ذو جدد ومنها ما هو على لون واحد غرابيب وعن عكرمة رضي الله عنه هي الجبال الطوال السود فإن قلت الغربيب تأكيد للأسود يقال أسود غربيب وأسود حلكوك وهو الذي أبعد في السواد وأغرب فيه ومنه الغراب ومن حق التأكيد أن يتبع المؤكد كقولك أصفر فاقع وأبيض يقق وما أشبه ذلك قلت وجهه أن يضمر المؤكد قبله ويكون الذي بعده تفسيرا لما أضمر كقول النابغة

والمؤمن العائذات الطير

وإنما يفعل ذلك لزيادة التوكيد حيث يدل على المعنى الواحد من طريقي الإظهار والإضمار جميعا ولا بد من تقدير حذف المضاف في قوله تعالى ومن الجبال جدد بمعنى ومن الجبال ذو جدد بيض وحمر وسود حتى يؤول إلى قولك ومن الجبال مختلف ألوانه كما قال ثمرات مختلفا ألوانها ومن الناس والدواب والانعـام مختلف ألوانه يعني ومنهم بعض مختلف ألوانه وقرىء ألوانها وقرأ الزهري جدد بالضم جمع جديدة وهي الجدة يقال جديدة وجدد وجدائد كسفينة وسفن وسفائن وقد فسر بها قول أبي ذؤيب يصف حمار وحش

جون السراة له جدائد اربع

وروي عنه جدد بفتحتين وهو الطريق الواضح المسفر وضعه موضع الطرائق والخطوط الواضحة المنفصل بعضها من بعض وقرىء والدواب مخففا ونظير هذا التخفيف قراءة من قرأ ولا الضألين لأن كل واحد منهما فرار من التقاء الساكنين فحرك ذاك أولهما وحذف هذا أخرهما وقوله كذالك أي كاختلاف الثمرات والجبال والمراد العلماء به الذين علموه بصفاته وعدله وتوحيده وما يجوز عليه وما لا يجوز فعظموه وقدروه حق قدره وخشوه حق خشيته ومن ازداد به علما ازداد منه خوفا ومن كان علمه به أقل كان آمن وفي الحديث

924أعلمكم بالله أشدكم له خشية وعن مسروق كفى بالمرء علما أن يخشى وكفى بالمرء جهلا أن يعجب بعلمه وقال رجل للشعبي أفتني أيها العالم فقال العالم من خشي الله وقيل نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقد ظهرت عليه الخشية حتى عرفت فيه فإن قلت هل يختلف المعنى إذا قدم المفعول في هذا الكلام أو أخر قلت لا بد من ذلك فإنك إذا قدمت اسم الله وأخرت العلماء كان المعنى أن الذين يخشون الله من بين عباده هم العلماء دون غيرهم وإذا عملت على العكس انقلب المعنى إلى أنهم يخشون إلا الله كقوله تعالى ولا يخشون أحدا إلا الله الأحزاب 39 وهما معنيان مختلفان فإن قلت ما وجه اتصال هذا الكلام بما قبله قلت لما قال ألم تر بمعنى ألم تعلم أن الله أنزل من السماء ماء وعدد آيات الله وأعلام قدرته وآثار صنعته وما خلق من الفطر المختلفة الأجناس وما يستدل به عليه وعلى صفاته أتبع ذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء كأنه قال إنما يخشاه مثلك ومن على صفتك ممن عرفه حق معرفته وعلمه كنه علمه وعن النبي صلى الله عليه وسلم

925 أنا أرجو أن أكون أتقاكم لله وأعلمكم به فإن قلت فما وجه قراءة من قرأ إنما يخشى الله من عباده العلماء وهو عمر بن عبد العزيز ويحكى عن أبي حنيفة قلت الخشية في هذه القراءة استعارة والمعنى إنما يجلهم ويعظمهم كما يجل المهيب المخشي من الرجال بين الناس ومن بين جميع عباده إن الله عزيز غفور تعليل لوجوب الخشية لدلالته على عقوبة العصاة وقهرهم وإثابة أهل الطاعة والعفو عنهم والمعاقب المثيب حقه أن يخشى

تفسير أبي السعود ج7/ص150

ألم تر   استئناف مسوق لتقرير ما قبله من اختلاف احوال الناس ببيان أن الاختلاف والتفاوت امر مطرد في جميع المخلوقات من النبات والجماد والحيوان والرؤية قلبية أي ألم تعلم   أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به   بذلك الماء والالتفات لإظهار كمال الاعتناء بالفعل لما فيه من الصنع البديع المنبئ عن كمال القدرة والحكمة   ثمرات مختلفا ألوانها   أي أجناسها أو أصنافها على ان كلا منها ذو أصناف مختلفة أو هيآتها وأشكالها أو ألوانها من الصفرة والخضرة والحمرة وغيرها وهو الأوفق لما في قوله تعالى   ومن الجبال جدد   أي ذو جدد أي خطط وطرائق ويقال جدة الحمار للخطة السوداء بفتحتين وهو الطريق الواضح   بيض وحمر مختلف ألوانها   بالشدة والضعف   وغرابيب سود   عطف على بيض أو على جدد كأنه قيل ومن الجبال مخطط ذو جدد ومنها ما هو على لون واحد غرابيب وهو تأكيد لمضمر يفسره ما بعده فإن الغربيب تأكيد للأسواد كالفاقع للأصفر والقانى للأحمر ومن حق التأكيد أن يتبع المؤكد ونظيره في الصفة قول النابغة والمؤمن العائذات الطير يمسحها وفي مثله مزيد تأكيد لما فيه من التكرار باعتبار الإضمار والإظهار   ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه   أي ومنهم بعض مختلف ألوانه أو وبعضهم مختلف ألوانه على ما مر في قوله تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله وإيراد الجملتين اسميتين مع مشاركتهما لما قبلهما من الجملة الفعلية في الاستشهاد بمضمونهما على تباين الناس في الأحوال الباطنة لما أن اختلاف الجبال والناس والدواب والانعام فيما ذكر من الالوان أمر مستمر فعبر عنه بما يدل على الاستمرار وأما إخراج الثمرات المختلفة فحيث كان امرا حادثا عبر عنه بما يدل على الحدوث ثم لما كان فيه نوع خفاء علق به الرؤية بطريق الاستفهام التقريري المنبئ عن الحمل عليها والترغيب فيها بخلاف أحوال الجبال والناس وغيرهما فإنها مشاهدة غنية عن التأمل فلذلك جردت عن التعليق بالرؤية فتدبر وقوله تعالى   كذلك   مصدر تشبيهى لقوله تعالى مختلف أي صفة لمصدره المؤكد تقديره مختلف اختلافا كائنا كذلك أي كاختلاف الثمار والجبال وقرئ الوانا وقرئ والدواب بالتخفيف مبالغة في الهرب من التقاء الساكنين وقوله تعالى   إنما يخشى الله من عباده العلماء   تكملة لقوله تعالى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب بتعيين من يخشاه عز وجل من الناس بعد بيان اختلاف طبقاتهم وتباين مراتبهم اما في الأوصاف المعنوية فبطريق التمثيل واما في الاوصاف الصورية فبطريق التصريح توفيه لكل واحدة منهما حقها اللائق بها من البيان أي إنما يخشاه تعالى بالغيب العالمون به عز وجل وبما يليق به من صفاته الجليلة وافعاله الجميلة لما أن مدار الخشية معرفة المخشى والعلم بشئونه فمن كان أعلم به تعالى كان أخشى منه عز وجل كما قال صلى الله عليه وسلم أنا أخشاكم لله وأتقاكم له ولذلك عقب بذكر أفعاله الدالة على كمال قدرته وحيث كان الكفرة بمعزل من هذه المعرفة امتنع إنذارهم بالكلية وتقديم المفعول لأن المقصود حصر الفاعلية ولو أخر انعكس الأمر وقرئ برفع الاسم الجليلة ونصب العلماء على أن الخشية مستعارة للتعظيم فإن المعظم يكون مهيبا   إن الله عزيز غفور   تعليل لوجوب الخشية لدلالته على أنه معاقب للمصر على طغيانه غفور للتائب عن عصيانه

تفسير ابن كثير ج3/ص554

يقول تعالى منبها على كمال قدرته في خلقه الأشياء المتنوعة المختلفة من الشيء الواحد وهو الماء الذي ينزله من السماء يخرج به ثمرات مختلفا ألوانها من أصفر وأحمر وأخضر وأبيض إلى غير ذلك من ألوان الثمار كما هو المشاهد من تنوع ألوانها وطعومها وروائحها كما قال تعالى في الآية الأخرى   وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون   وقوله تبارك وتعالى   ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها   أي وخلق الجبال كذلك مختلفة الألوان كما هو المشاهد أيضا من بيض وحمر وفي بعضها طرائق وهي الجدد جمع جدة مختلفة الألوان أيضا قال بن عباس رضي الله عنهما الجدد الطرائق وكذا قال أبو مالك والحسن وقتادة والسدي ومنها غرابيب سود قال عكرمة الغرابيب الجبال الطوال السود وكذا قال أبو مالك وعطاء الخرساني وقتادة وقال بن جرير والعرب إذا وصفوا الأسود بكثرة السواد قالوا أسود غربيب ولهذا قال بعض المفسرين في هذه الآية هذا من المقدم والمؤخر في قوله تعالى   وغرابيب سود   أي سود غرابيب وفيما قاله نظر وقوله تعالى   ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك   أي كذلك الحيوانات من الأناسي والدواب وهو كل مادب على القوائم والأنعام من باب عطف الخاص على العام كذلك هي مختلفة أيضا فالناس منهم بربر وحبوش وطماطم في غاية السواد وصقالبة وروم في غاية البياض والعرب بين ذلك والهنود دون ذلك ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى   واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين   وكذلك الدواب والأنعام مختلفة الألوان حتى في الجنس الواحد بل النوع الواحد منهن مختلف الألوان بل الحيوان الواحد يكون أبلق فيه من هذا اللون وهذا اللون فتبارك الله أحسن الخالقين وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده 2944 حدثنا الفضل بن سهل حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان بن صالح حدثنا زياد بن عبد الله عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن بن عباس رضي الله عنهما قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أيصبغ ربك قال صلى الله عليه وسلم نعم صبغا لا ينفض أحمر وأصفر وأبيض وروي مرسلا وموقوفا والله أعلم ولهذا قال تعالى بعد هذا   إنما يخشى الله من عباده العلماء   أي إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر قال علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله تعالى   إنما يخشى الله من عباده العلماء   قال الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير وقال بن لهيعة عن بن أبي عمرة عن عكرمة عن بن عباس قال العالم بالرحمن من عباده من لم يشرك شيئا وأحل حلاله وحرم حرامه وحفظ وصيته وأيقن أنه ملاقيه ومحاسب بعمله وقال سعيد بن جبير الخشية هي التي تحول بينك وبين معصية الله عز وجل وقال الحسن البصري العالم من خشي الرحمن بالغيب ورغب فيما يرغب الله فيه وزهد فيما سخط الله فيه ثم تلا الحسن   إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور   وعن بن مسعود رضي الله عنه أنه قال ليس العلم عن كثرة الحديث ولكن العلم عن كثرة الخشية وقال أحمد بن صالح المصري عن بن وهب عن مالك قال إن العلم ليس بكثرة الرواية وإنما العلم نور يجعله الله في القلب قال أحمد بن صالح المصري معناه أن الخشية لا تدرك بكثرة الرواية وإنما العلم الذي فرض الله عز وجل أن يتبع فإنما هو الكتاب والسنة وما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من أئمة المسلمين فهذا لا يدرك إلا بالرواية ويكون تأويل قوله نور يريد به فهم العلم ومعرفة معانيه وقال سفيان الثوري عن أبي حيان التيمي عن رجل قال كان يقال العلماء ثلاثة عالم بالله عالم بأمر الله وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله فالعالم بالله وبأمر الله الذي يخشى الله تعالى ويعلم الحدود والفرائض والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود والفرائض والعالم بأمر الله ليس بعالم بالله الذي يعلم الحدود والفرائض ولايخشى الله عز وجل

تفسير البغوي ج3/ص569

آلم تر أن الله انزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد   طرق وخطط واحدتها جدة مثل مدة ومدد   بيض وحمر مختلف الوانها وغرابيب سود   يعني سود غرابيب على التقديم والتأخير يقال اسود غربيب أي شديد السواد تشبيها بلون الغراب أي طرائق سود سورة فاطر   28 32   28   ومن الناس والدواب والانعام مختلف الوانه   ذكر الكناية أجل   من   وقيل رد الكناية إلى ما في الاضمار مجازه ومن الناس والدواب والانعام ما هو مختلف الوانه   كذلك   يعني كما اختلف الوان الثمار والجبال وتم الكلام ههنا ثم ابتدأ فقال   إنما يخشى الله من عباده العلماء   قال ابن عباس يريد إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي عزتي وسلطاني

 

تفسير البيضاوي ج4/ص417

ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها   اجناسها واصنافها على أن كلا منها ذو أصناف مختلفة أو هيئاتها من الصفرة والخضرة ونحوهما ومن الجبال جدد   أي ذو جدد أي خطط وطرائق يقال جدة الحمار للخطة السوداء على ظهره وقرئ   جدد   بالضم جمع جديدة بمعنى الجدة و   جدد   بفتحتين وهوالطريق الواضح   بيض وحمر مختلف ألوانها   بالشدة والضعف   وغرابيب سود   عطف على   بيض   أو على   جدد   كأنه قيل ومن الجبال ذو جدد مختلفة اللون ومنها   وغرابيب   متحدة اللون وهو تأكيد مضمر يفسره ما بعده فإن الغربيب تأكيد للاسود ومن حق التأكيد أن يتبع المؤكد ونظير ذلك في الصفة قول النابغة < والمؤمن العائذات الطير يمسحها > وفي مثله مزيد تاكيد لما فيه من التكرير باعتبار الاضمار والاظهار   ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك   كاختلاف الثمار والجبال   إنما يخشى الله من عباده العلماء   إذ شرط الخشية معرفة المخشي والعلم بصفاته وافعاله فمن كان اعلم به كان أخشى منه ولذلك قال صلى الله عليه وسلم أني اخشاكم لله واتقاكم له ولذلك اتبعه بذكر افعاله الدالة على كمال قدرته وتقديم المفعول لان المقصود حصر الفاعلية ولو آخر انعكس الأمر وقرئ برفع اسم الله ونصب العلماء على أن الخشية مستعارة للتعظيم فإن المعظم يكون مهيبا

 

تفسير السعدي ج1/ص688

يذكر تعالى خلقه للأشياء والمتضادات التي أصلها واحد ومادتها واحدة وفيها من التفاوت والفرق ما هو مشاهد معروف ليدل العباد على كمال قدرته وبديع حكمته فمن ذلك أن الله تعالى أنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات المختلفات والنباتات المتنوعات ما هو مشاهد للناظرين والماء واحد والأرض واحدة ومن ذلك الجبال التي جعلها الله أوتادا للأرض تجدها جبالا مشتبكة بل جبلا واحدا وفيها ألوان متعددة فيها جدد بيض أي طرائق بيض وفيها طرائق صفر وحمر وفيها غرابيب سود أي شديدة السواد جدا ومن ذلك الناس والدواب والأنعام فيها من اختلاف الألوان والأوصاف والأصوات والهيئات ما هو مرئي بالأبصار مشهود للنظار والكل من أصل واحد ومادة واحدة فتفاوتها دليل عقلي على مشيئة الله تعالى التي خصصت ما خصصت منها بلونه ووصفه وقدرة الله تعالى حيث أوجدها كذلك وحكمته ورحمته حيث كان ذلك الاختلاف وذلك التفاوت فيه من المصالح والمنافع ومعرفة الطرق ومعرفة الناس بعضهم بعضا ما هو معلوم وذلك أيضا دليل على سعة علم الله تعالى وأنه يبعث من في القبور ولكن الغافل ينظر في هذه الأشياء وغيرها نظر غفلة لا تحدث له تذكرا وإنما ينتفع بها من يخشى الله تعالى ويعلم بفكره الصائب وجه الحكمة فيها ولهذا قال   إنما يخشى الله من عباده العلماء   فكل من كان بالله أعلم كان أكثر له خشية وأوجبت له خشية الله الانكفاف عن المعاصي والاستعداد للقاء من يخشاه وهذا دليل على فضيلة العلم فإنه داع إلى خشية الله وأهل خشيته هم أهل كرامته كما قال تعالى   رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه     أن الله عزيز   كامل العزة ومن عزته خلق هذه المخلوقات المتضادات   غفور   لذنوب التائبين تفسير السمعاني ج4/ص356

تعالى   ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء   قوله   فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها أي أبيض وأحمر وأصفر وما أشبه ذلك

وقوله   ومن الجبال جدد أي طرائق وخطط   بيض والجدد جمع جدة وهو الطريق

وقوله   وحمر   أي طرائق حمرة

قوله   مختلف ألوانها وغرابيب سود أي سود غرابيب على التقديم والتأخير يقال أسود غربيب أي شديد السواد وفي بعض الأخبار أن الله يكره الشيخ الغربيب أي الذي يسود لحيته والخضاب بالحمرة سنة أما بالسواد مكروه ومعنى الآية أى طرائق سود

وقوله   ومن الناس والدواب والأنعاممختلف ألوانه كذلك أى مختلف ألوان هذه الأشياء كما اختلفت ألوان ما سبق ذكره

تفسير القرطبي ج14/ص341

قوله تعالى   ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء   هذه الرؤية رؤية القلب والعلم أي ألم ينته علمك ورأيت بقلبك أن الله أنزل ف أن واسمها وخبرها سدت مسد مفعولي الرؤية   فأخرجنا به ثمرات   هو من باب تلوين الخطاب   مختلفا ألوانها   نصبت مختلفا نعتا ل ثمرات   ألوانها   رفع بمختلف وصلح أن يكون نعتا ل ثمرات لما عاد عليه من ذكره ويجوز في غير القرآن رفعه ومثله رأيت رجلا خارجا أبوه به   أي بالماء وهو واحد والثمرات مختلفة   ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها   الجدد جمع جدة وهي الطرائق المختلفة الألوان وإن كان الجميع حجرا أو ترابا قال الأخفش ولو كان جمع جديد لقال جدد   بضم الجيم والدال   نحو سرير وسرر وقال زهير كأنه أسفع الخدين ذو جدد طاو ويرتع بعد الصيف عريانا وقيل إن الجدد القطع مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته حكاه بن بحر قال الجوهري والجدة الخطة التي في ظهر الحمار تخالف لونه والجدة الطريقة والجمع جدد قال تعالى ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها أي طرائق تخالف لون الجبل ومنه قولهم ركب فلان جدة من الأمر إذا رأى فيه رأيا وكساء مجدد فيه خطوط مختلفة الزمخشري وقرأ الزهري جدد بالضم جمع جديدة وهي الجدة يقال جديدة وجدد وجدائد كسفينة وسفن وسفائن وقد فسر بها قول أبي ذؤيب جون السراة له جدائد أربع وروي عنه جدد بفتحتين وهو الطريق الواضح المسفر وضعه موضع الطرائق والخطوط الواضحة المنفصل بعضها من بعض   ومن الناس والدواب   وقريء والدواب مخففا ونظير هذا التخفيف قراءة من قرأ ولا الضالين لأن كل واحد منهما فر من التقاء الساكنين فحرك ذلك أولهما وحذف هذا آخرهما قاله الزمخشري   والأنعام مختلف ألوانه   أي فيهم الأحمر والأبيض والأسود وغير ذلك وكل ذلك دليل على صانع مختار وقال مختلف ألوانه فذكر الضمير مراعاة ل من قاله المؤرج وقال أبو بكر بن عياش إنما ذكر الكناية لأجل أنها مردودة إلى ما مضمرة مجازه ومن الناس ومن الدواب ومن الأنعام ما هو مختلف ألوانه أي أبيض وأحمر وأسود   وغرابيب سود   قال أبو عبيدة الغربيب الشديد السواد ففي الكلام تقديم وتأخير والمعنى ومن الجبال

سود غرابيب والعرب تقول للشديد السواد الذي لونه كلون الغراب أسود غربيب قال الجوهري وتقول هذا أسود غربيب أي شديد السواد وإذا قلت غرابيب سود تجعل السود بدلا من غرابيب لأن توكيد الألوان لا يتقدم وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم   إن الله يبغض الشيخ الغربيب   يعني الذي يخضب بالسواد قال امرؤ القيس العين طامحة واليد سابحة والرجل لافحة والوجه غربيب وقال أخر يصف كرما ومن تعاجيب خلق الله غاطية يعصر منها ملاحي وغربيب   كذلك   هنا تمام الكلام أي كذلك تختلف أحوال العباد في الخشية ثم استأنف فقال   إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور   يعني بالعلماء الذين يخافون قدرته فمن علم أنه عز وجل قدير أيقن بمعاقبته على المعصية كما روي علي بن أبي طلحة عن بن عباس إنما يخشى الله من عباده العلماء قال الذين علموا أن الله على كل شيء قدير وقال الربيع بن أنس من لم يخش الله تعالى فليس بعالم وقال مجاهد إنما العالم من خشى الله عز وجل وعن بن مسعود كفى بخشية الله تعالى علما وبالإغترار جهلا وقيل لسعد بن إبراهيم من أفقه أهل المدينة قال أتقاهم لربه عز وجل وعن مجاهد قال إنما الفقيه من يخاف الله عز وجل وعن علي رضي الله عنه قال إن الفقيه حق الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله ولم يرخص لهم في معاصي الله تعالى ولم يؤمنهم من عذاب الله ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره إنه لا خير في عبادة لا علم فيها ولا علم لا فقه فيه ولا قراءة لا تدبر فيها وأسند الدارمي أبو محمد عن مكحول قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم   إن فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ثم تلا هذه الآية إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله وملائكته وأهل سمواته وأهل أرضيه والنون في البحر يصلون على الذين يعلمون الناس الخير   الخبر مرسل قال الدارمي وحدثني أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد عن يزيد بن حازم قال حدثني عمي جرير بن زيد أنه سمع تبيعا يحدث عن كعب قال إني لأجد نعت قوم يتعلمون لغير العمل ويتفقهون لغير العبادة ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة ويلبسون جلود الضأن قلوبهم أمر من الصبر فبي يغترون وإياي يخادعون فبي حلفت لأتيحن لهم فتنة تذر الحليم فيهم حيران خرجه الترمذي مرفوعا من حديث أبي الدرداء وقد كتبناه في مقدمة الكتاب الزمخشري فإن قلت فما وجه قراءة من قرأ إنما يخشى الله بالرفع من عباده العلماء بالنصب وهو عمر بن عبد العزيز وتحكي عن أبي حنيفة قلت الخشية في هذه القراءة استعارة والمعنى إنما يجلهم ويعظمهم كما يجل المهيب المخشي من الرجال بين الناس من بين جميع عباده   إن الله عزيز غفور   تعليل لوجوب الخشية لدلالته على عقوبة العصاة وقهرهم وإثابة أهل الطاعة والعفو عنهم والمعاقب والمثيب حقه أن يخشى

تفسير النسفي ج3/ص342

ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به   بالماء   ثمرات مختلفا ألوانها   أجناسها من الرمان والتفاح والتين والعنب وغيرها مما لا يحصر أو هيآتها من الحمرة والصفرة والخضرة ونحوها   ومن الجبال جدد   طرق مختلفة اللون جمع جدة كمدة ومدد   بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود   جمع غربيب وهو تأكيد للاسود يقال أسود غربيب وهو الذى أبعد فى السواد وأغرب فيه ومنه الغراب وكان من حق التأكيد ان يتبع المؤكد كقولك أصفر فاقع إلا أنه ضمر المؤكد قبله والذى بعده تفسير للمضمر وإنما يفعل ذلك لزيادة التوكيد حيث يدل على المعنى الواحد من طريقى الاظهار والاضمار جميعا ولا بد من تقدير حذف المضاف فى قوله ومن الجبال جدد أى ومن الجبال ذو جدد بيض وحمر وسود حتى يؤل إلى قولك ومنالجبال مختلف ألوانه كما قال ثمرات مختلفا ألوانها   ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه   يعنى ومنهم بعض مختلف ألوانه   كذلك   أى كاختلاف الثمرات والجبال ولما قال ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء وعدد آيات الله واعلام قدرته وآثار صنعته وما خلق من الفطر المختلفة الاجناس وما يستدل به عليه وعلى صفاته ابتع ذلك   إنما يخشى الله من عباده العلماء   أى العلماء به الذين علموه بصفاته فعظموه ومن ازداد علما به ازداد منه خوفا ومن كان علمه به أقل كان آمن وفى الحديث أعلمكم بالله اشدكم له خشية وتقديم اسم الله تعالى وتأخير العلماء يؤذن ان معناه ان الذين يخشون من عباده العلماء دون غيرهم ولو عكس لكان المعنى أنهم لا يخشون إلا الله كقوله ولا يخشون أحدا إلا الله وبينهما تغاير ففى الأول بيان أن الخاشين هم العلماء وفي الثانى بيان أن المخشى منه هو الله تعالى وقرأ أبو حنيفة وابن عبد العزيز وابن سرين رضى الله عنهم إنما يخشى الله من عباده العلماء والخشية في هذه القراءة استعارة والمعنى إنما يعظم الله من عباده العلماء   إن الله عزيز غفور   تعليل لوجوب الخشية لدلالته على عقوبة العصاة وقهرهم وإثابة أهل الطاعة والعفو عنهم والمعاقب المنيب حقه أن يخشى

 

زاد المسير – ابن الجوزي ج6/ص485

قوله تعالى ومن الجبال جدد بيض أي ومما خلقنا من الجبال جدد قال ابن قتيبة الجدد الخطوط والطرائق تكون في الجبال فبعضها بيض وبعضها حمر وبعضها غرابيب سود والغرابيب جمع غربيب وهو الشديد السواد يقال أسود غربيب وتمام الكلام عند قوله كذلك يقول من الجبال مختلف ألوانه   ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك   أي كاختلاف الثمرات قال الفراء وفي الكلام تقديم وتأخير تقديره وسود غرابيب لأنه يقال أسود غربيب وقلما يقال غربيب أسود وقال الزجاج المعنى ومن الجبال غرابيب سود وهي ذوات الصخر الأسود وقال ابن دريد الغربيب الأسود أحسب أن اشتقاقه من الغراب

وللمفسرين في المراد بالغرابيب ثلاثة أقوال

أحدها الطرائق السود قاله ابن عباس والثاني الأودية السود قاله قتادة وال ثالث الجبال السود قاله السدي

ثم ابتدأ فقال   إنما يخشى الله من عباده العلماء   يعني العلماء بالله عز وجل قال ابن عباس يريد إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني وقال مجاهد والشعبي العالم من خاف الله وقال الربيع ابن انس من لم يخش الله فليس بعالم

 

فتح القدير – الشوكاني ج4/ص347

ألم تر   والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أولكل من يصلح له   أن الله أنزل من السماء ماء   وهذه الرؤية هى القلبية أى ألم تعلم وأن واسمها وخبرها سدت مسد المفعولين   فأخرجنا به   أى بالماء والنكتة فى هذا الالتفات إظهار كمال العناية بالفعل لما فيه من الصنع البديع وانتصاب   مختلفا ألوانها   على الوصف لثمرات والمراد بالألوان الأجناس والأصناف أى بعضها أبيض وبعضها أحمر وبعضها أصفر وبعضها أخضر وبعضها أسود   ومن الجبال جدد   الجدد جمع جدة وهى الطريق قال الأخفش ولو كان جمع جديد لقال جدد بضم الجيم والدال نحو سرير وسرر قال زهير كأنه أسفع الخدين ذو جدد

طار ويرتع بعد الصيف أحيانا

وقيل الجدد القطع مأخوذ من جددت الشىء إذا قطعته حكاه ابن بحر قال الجوهرى الجدة الخطة التى فى ظهر الحمار تخالف لونه والجدة الطريقة والجمع جدد وجدائد ومن ذلك قول أبى ذؤيب جون السراة له جدائد أربع

قال المبرد جدد طرائق وخطوط قال الواحدى ونحو هذا قال المفسرون فى تفسير الجدد وقال الفراء هى الطرق تكون في الجبال كالعروق بيض وسود وحمر واحدها جدة والمعنى أن الله سبحانه أخبر عن جدد الجبال وهى طرائقها أو الخطوط التى فيها بأن لون بعضها البياض ولون بعضها الحمرة وهو معنى قوله   بيض وحمر مختلف ألوانها   قرأ الجمهور جدد بضم الجيم وفتح الدال وقر

الزهرى بضمهما جمع جديدة وروى عنه أنه قرأ بفتحهما وردها أبو حاتم وصححها غيره وقال الجدد الطريق الواضح البين وغرابيب سود الغربيب الشديد السواد الذى يشبه لونه لون الغراب قال الجوهرى تقول هذا أسود غربيب أى شديد السواد وإذا قلت غرابيب سود جعلت السود بدلا من غرابيب قال الفراء فى الكلام تقديم وتأخير تقديره وسود غرابيب لأنه يقال أسود غربيب وقل ما يقال غربيب أسود وقوله   مختلف ألوانها   صفة لجدد وقوله   وغرابيب   معطوف على جدد على معنى ومن الجبال جدد بيض وحمر ومن الجبال غرابيب على لون واحد وهوالسواد أو على حمر على معنى ومن الجبال جدد بيض وحمر وسود وقيل معطوف على بيض ولا بد من تقدير مضاف محذوف قبل جدد أى ومن الجبال ذو جدد لأن الجدد إنما هى فى ألوان بعضها   ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه   قوله مختلف صفة لموصوف محذوف أى ومنهم صنف أو نوع أو بعض مختلف ألوانه بالحمرة والسواد والبياض والخضرة والصفرة قال الفراء أى خلق مختلف ألوانه كاختلاف الثمرات والجبال وإنما ذكر سبحانه اختلاف الألوان فى هذه الأشياء لأن هذا الاختلاف من أعظم الأدلة على قدرة الله وبديع صنعه ومعنى كذلك أى مختلفا مثل ذلك الاختلاف وهو صفة لمصدر محذوف والتقدير مختلف ألوانه اختلافا كائنا كذلك أى كاختلاف الجبال والثمار وقرأ الزهرى والدواب بتخفيف الباء وقرأ ابن السميفع ألوانها وقيل إن قوله كذلك متعلق بما بعده أى مثل ذلك المطر والاعتبار فى مخلوقات الله واختلاف ألوانها يخشى الله من عباده العلماء وهذا اختاره ابن عطيه وهو مردود بأن ما بعد إنما لا يعمل فيما قبلها والراجح الوجه الأول والوقف على كذلك تام ثم استؤنف الكلام وأخبر سبحانه بقوله   إنما يخشى الله من عباده العلماء   أو هو من تتمة قوله   إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب   على معنى إنما يخشاه سبحانه بالغيب العالمون به وبما يليق به من صفاته الجليلة وأفعاله الجميلة وعلى كل تقدير فهو سبحانه قد عين فى هذه الاية أهل خشيته وهم العلماء به وتعظيم قدرته قال مجاهد إنما العالم من خشى الله عز وجل وقال مسروق كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار جهلا فمن كان أعلم بالله كان أخشاهم له قال الربيع بن أنس من لم يخش الله فليس بعالم وقال الشعبى العالم من خاف الله ووجه تقديم المفعول أن المقام مقام حصر الفاعلية ولو أخر انعكس الأمر وقرأ عمر بن عبد العزيز برفع الاسم الشريف ونصب العلماء ورويت هذه القراءة عن أبى حنيفة قال فى الكشاف الخشية فى هذه القراءة استعارة والمعنى أنه يجلهم ويعظمهم كما يجل المهيب المخشى من الرجال بين الناس وجملة   إن الله عزيز غفور   تعليل لوجوب الخشية لدلالته على أنه معاقب على معصيته غافر لمن تاب من عباده

معاني القرآن – النحاس ج5/ص453

وقوله جل وعز   ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود  

قال الضحاك أي ألوان مختلفة أي أبيض وأحمر وأسود قال والجدد الطرائق

قال أبو جعفر قال أبو عبيدة الغريب الشديد السواد ثم قال جل وعز   ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك  

قال الضحاك إي من الناس الأبيض والأحمر والأسود قال جل وعز   إنما يخشى الله من عباده العلماء   آية 28

أي العلماء بقدرته على ما يشاء فمن علم ذلك أيقن بمعاقبته على المعصية فخافه

كما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس   إنما يخشى الله من عباده العلماء  

قال الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير

وفي الحديث كفى بخشية الله علما وبالغرة به جهلا

 

 

أضف تعليقاً