أي برق يذهب بالأبصار؟؟

أي برق يذهب بالأبصار؟؟

يقول سبحانه وتعالى : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ) (43) (النور)

 

مختصر أقوال المفسرين في هذه الآية

 

الإزجاء سوق الثقيل السير إما لضعف أو ثقل، و حمل الله يزجي سحابا يسوقه ومنه البضاعة المزجاة ، أي ألم تشاهد ببصرك عظيم قدرة الله وكيف يزجي أي يسوق سحابا قطعا متفرقة ثم يؤلف بين تلك القطع فيجعله سحابا متراكما مثل الجبال وقيل سوق الثقيل برفق ثم يؤلف بينه أي يضم بعضه وإزجاء الفلك سوقه بالريح اللينة والمجاديف و الفلك و البحر الماء الكثير عذبا كان او ملحا ثم يجعله ركاما أي متراكما بعضه فوق بعض ثم يؤلف بينه أي يجمعه عند انتشائه ليقوى ويتصل ويكثف والأصل في التأليف سحابة ثم يؤلف بينه بأن يوصل سحابة بسحابة وقال غير واحد السحاب واحد كالعماء والمراد يؤلف بين أجزائه وقطعه أي يجمع القطع المتفرقة حتى تتألف ، ثم يجعله ركاما أي بعضه فوق بعض عن مجاهد في قوله فترى الودق قال القطر الودق أو المطر إثر تراكمه وتكاثفه فيجعله سحابا متراكما مثل الجبال ، او فترى الودق أي الوابل والمطر يخرج من خلال السحابة نقطا متفرقة اللفظ ثم يجعله ركاما أي متراكما يركب بعضه بعضا والركم جمع الشيء يقال ركم الشيء يركمه ركما أى جمعه وألقى بعضه على بعض ، عن المنذر عن مجاهد في قوله فترى الودق, قال القطر , من خلاله قال السحاب يخرج من خلاله أي من فتوقه حال من الودق ، فترى الودق أي المطر شديدا كان أو ضعيفا إثر تراكمه وتكاثفه يخرج من خلاله أي من فتوقه ومخارجه ، او التي حدثت بالتراكم والإنعصار
وينزل من السماء من الغمام فإن كل ما علاك سماء من جبال أي من قطع عظام تشبه الجبال في العظم كائنة فيها وقيل المراد بالسماء المظلة وفيها جبال من برد أن كما في الأرض جبالا من حجر وليس في العقل وما ينفيه والمشهر أن الأبخرة إذا تصاعدت ولم تحللها حرارة فبلغت الطبقة الباردة من الهواء وقوى البرد اجتمع هناك وصار سحابا وإن لم يشتد البرد تقاطر مطرا وإن اشتد فإن وصل إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها نزل ثلجا وإلا نزل بردا وقد يبرد الهواء بردا مفرطا فينقبض وينعقد سحابا وينزل منه المطر أو الثلج وكل ذلك مستند إلى إرادة الله تعالى ومشيئته المبنية على الحكم والمصالح فيصيب به أي ما ينزله من البرد من يشاء أن يصيبه به فيناله ما يناله من ضرر نفسه وماله ويصرفه عن من يشاء أن يصرفه عنه فينجو من غائلته .

يكاد سنا برقه أي ضوء برق السحاب الموصوف , بالأبصار أي يخطفها من فرط الإضاءة وسرعة ورودها وفي إطلاق الأبصار مزيد تهويل لأمره وبيان لشدة تأثيره فيها كأنه يكاد يذهب بها وينزل من السماء من الغمام وكل ما علاك فهو سماء , من جبال فيها من قطع عظام تشبه الجبال فيعظمها أو جمودها من برد .

يذهب بالأبصار بأبصار الناظرين إليه من فرط الإضاءة وتارة ينزل الله من ذلك السحاب بردا يتلف ما يصيبه فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء أي يكاد ضوء برق ذلك السحاب فيصيب به من يشاء يعني البرد (بفتح الراء) يصيب الزرع والإنسان إذا كان في مفاز ويقال يصيب به يعني يعذب به وقوله وينزل من السماء من جبال فيها من برد روي عن ابن عباس أنه قال في السماء جبال من برد فينزل منها البرد.
وعن ابن عباس أنه قال الثلج شيء أبيض ينزل من السماء ما رأيته قط . وقيل المعنى وينزل من السماء قدر جبال أو مثل جبال من برد إلى الأرض المفتل، فالسنا مقصور ضوء البرق والسنا أيضا نبت يتداوى به والسناء من الرفعة ممدود وكذلك قرأ طلحة بن مصرف سناء بالمد على المبالغة من شدة الضوء والصفاء .

 و قول الأصبهاني إن الجبال ما جبله الله تعالى أي خلقه ، وسمي بردا لأنه يبرد وجه الأرض أي يقشره من بردت الشيء بالمبرد , وأكثر المفسرين أن المراد بالسماء المظلمة وبالجبال حقيقتها قالوا إن الله تعالى خلق في السماء جبالا من برد كما خلق في الأرض جبالا من حجر وليس في العقل ما ينفيه من قاطع فيجوز إبقاء الآية على ظاهره أي يصيبه فيناله ما يناله من ضرر في ماله ونفسه وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن كعب قال لو أن الجليد ينزل من السماء الرابعة لم يمر بشيء إلا أهلكه ، فالأبصار هنا جمع بصر بمعنى البصيرة بخلافها فيما سبق وقيل هو بمعنى البصر الظاهر, السنا الضوء أى يكاد ضوء البرق الذى في السحاب يذهب بالأبصار من شدة بريقه

التفسير العلمي والإعجاز القرآني لهذه الآية

 

في هذه الآية الكريمة يذكر سبحانه وتعالى كيفية نزول المطر ،وعملية نزول المطر معقدة جداً ولفهمها فإننا نحتاج الى الكثير من التوضيح لشدة تعقيدها ، كان العرب والأمم المجاورة لهم من الإغريق والفرس والرومان في زمن نزول الرسالة لهم معتقدات غريبة في نزول المطر حيث كانوا يعتقدون ان الغيوم عبارة عن كتل تشبه الإسفنج تملأ بالماء ثم تنزل على الأرض وكانوا يعتبرون الرعد بأنه أصوات رمى الأواني العظيمة التي تحمل الماء، وما كانت عندهم أي فكره واضحة او علمية عن نزول المطر، وفي عمق الصحراء وبعيداً عن الحضارات والتفسيرات والتأويلات ينزل سبحانه وتعالى وحياً يذكر فيه طريقة نزول المطر، فكيف ستكون هذه الطريقة لو كانت من بشر وكيف ستكون لو كانت من الله، ابتداء بما يذكره سبحانه وتعالى هنا، ان الله يسوق غيوماً بالرياح (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (9) (فاطر)
وبعد ان تغير مكان تكون السحاب والذي كان في البداية غير مرئي وعبارة عن رطوبة في الجو فقط، ثم يولف بينه اي يكثفه ( وثم ) تعنى أن الأمر على التراخي اي لا يحدث آنياً بالثواني والدقائق والساعات، فتظهر الغيوم وبفعل الرياح كذلك وبعد فترة من الزمن (ثم) تتكثف هذه الغيوم اكثر فيكون قسماً منها ثقيلاً لذلك سيتحول السحاب إلى طبقات بعضها فوق بعض منها في الأسفل ومنها في الأعلى والمسافة كبيره جداً بالكيلومترات متركماً على بعضه (ثم يجعله ركاماً) وهنا (ثم) للتراخي ايضاً وعندما يصبح ركاماً تبدا نقاط صغيره تكبر اكثر من الأخريات فتكون اكبر من غيرها، أي في نفس وقت التراكم تحدث حالة النقاط الصغيرة التي سماها سبحانه وتعالى (الودق)، ويمر هذا الودق نازلاً بسبب زيادة وزنه مجمعاً معه ما يصطدم به من قطرات من خلال الغيمة والتي بسبب التراكم اصبح سمك الغيمة عدة كيلومترات، وفي بعض الأحيان وبالرغم من وجود شحنه على الودق فان سرعة نزوله سوف تزيد على قوة التنافر الحاصل من الشحنة المتشابه فتتصادم وتجتمع القطرات إلى أن يصل حجمها إلى حجم معين سيكون عليها من الشحنة ما يمنعها من أن تكون كبيره جداً بسبب قوة التنافر، فتسقط بحجم خاص بحيث لا يؤذي الأرض، فلو استمرت قطرة الماء في الغيوم على التجمع فإنها قد تصل إلى لتر كامل او اكثر ، وعندما يزداد الشد الكهربي إلي درجة كبيرة سيحدث تفريغ كهربائي من كل القطرات الموجودة مما يساعد قطرات جديدة بالتكون، ونرى ان الله سبحانه وتعالى وبدقة لفظية عظيمة جداً تطابق اخر ما توصل له العلم ابتداء من (أَلَمْ تَرَ) إلى (أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا) …… ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ….. ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ، ولم يجد العلماء وصفاً علمياً لنزول المطر أقوى وادق من الوصف القرآني.
نرجع الان الى الآية الكريمة فإنها تذكر شيئاً هو اغرب من الخيال ! ! في بداية الآية يقول سبحانه وتعالي (أَلَمْ تَرَ) وتعنى هذه وكلما ذكرت في مقدمة آية ان الذي بعدها يحتاج الى عالم متخصص يفكر ليعطي دقة حجته، وفي هذه الآية ابتدأ سبحانه وتعالى بها (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا) ونصل الى نزول المطر المتعارف عليه .

وبعد نزول المطر يذكر سبحانه وتعالى مطراً من نوع اخر لم يعرفه العرب ولم يعوه فيقول سبحانه وتعالى (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ) فهناك ماء ينزل من جبال في السماء فيها من برد ، أي فيها ثلج ، يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير ذلك ( قال بعض النحات ” من” الأولى لابتداء الغاية والثانية للتبعيض والثالثة لبيان الجنس، ( وينزل من السماء من جبال فيها من برد)، وهذا إنما يجئ على قول من ذهب من المفسرين إلى ان قوله (مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ) معناه أن في السماء جبال عظيمة فيها برد ينزل الله منها البرد ) .

والقول هنا واضح جداً فان هناك في السماء جبال من ثلج كثيف ( وهو البرد) وهذه الجبال ينزل الله منها ماءً !! ولكن من يصدق ذلك ! الا ترى أنها لا تعقل فكيف يطير جبل من الجليد فالجبال الثلجية تملا البحار وخاصة في القطبين والبحار التي قربها أما في السماء فمن الصعب التصديق! والى نهاية القرن العشرين كان الامر لا يصدق، فبعض دراسات معمقه للمذنبات (النجم ذات الذنب) والتي يوجد منها عدد كبير جداً حيث أن العلماء يعتقدون ان هناك مجالاً خارج مجموعتنا الشمسية فيه الملايين الملايين من المذنبات يسمى نطاق المذنبات، وبسبب غير معروف يدخل إلى مجموعتنا الشمسية فيطوف وبمدار إهليلجي حول الشمس فتبدا بالاقتراب منها وبتسارع ثم تمر جنب الشمس وتغادر مره أخرى إلى عمق الفضاء، والمذنبات المرصودة ومنها مذنب هالي قد يحتاج إلى عشرات السنين ليظهر مرة أخرى فمذنب هالي يأتي كل سبعين سنه تقريبا ، وهناك مذنبات تأتى كل مائة سنه ، ومن المذنبات ما اسر من قبل الكواكب الضخمة ولم يستطع الإفلات منها ومنها ما ابتلعته الشمس ومنها ما صدم الاقمار، فاحد أقمار المشتري متكون من موزاييك من الثلج والاحجار، وعند اقتراب مذنب هالي ارسل العلماء اليه مركبه فضائية اصطدمت بنواة راس المذنب فاستطاع العلماء معرفة تركيبة هذا المذنب ودراسة كل ما هو غامض به.

وجد العلماء ان المذنبات تتكون اساساً من خليط من الثلج والغبار، وللمذنب راس وذنب، وللراس نواة يبلغ قطرها عدة كيلومترات قليلة وهى عبارة عن كرة من الثلج الصلب (برد) والغبار، يحيط بها هالة من الغازات والغبار، وتحيط بالهالة سحابة من غاز الهيدروجين قد يصل قطرها الى مليون كيلومتر، والغبار المكون للمذنبات يشبه في تركيبه الكيماوي والمعدني تركيب بعض النيازك، اما الثلج فهو خليط من كلاً من الماء وثاني اكسيد الكربون والامونيا والميثان ( https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%B0%D9%86%D8%A8 ويكيبيديا)،ففي السماء جبال من برد ولكن ليس في سماء الارض في الغيوم وانماء هي فوقنا في مجموعتنا الشمسية، فعندما ذكر سبحانه وتعالى المطر ذكره في الغيوم ثم ذكر بعد ذلك وفي نفس السياق جبال في السماء، فاذا كنا نتكلم ونحن في الغيوم فالسماء بعد ذلك هي خارج هذا النطاق الضيق للأرض او لنقل في سماء بالنسبة للغيوم ، راجع معي مرة اخرى الدقة اللفظية ( وينزل من السماء) فهي سماء بالنسبة للغيوم التي كنا نتكلم عنها (والغيوم سماء بالنسبة لنا) فهذه الجبال فيها من برد، أذن هي جبال ولكن فيها من (وهنا للتبعيض) برد ، فالجبل فيه عدة أشياء( والمقصود هنا المذنب) ففيه اضافه الى البرد فيه كتل من المعادن والصخور، فالله ينزل من هذه الجبال التي فيها من برد .

لقد وجد ان كتل صغيرة يبتدأ قطرها من عدة سنتيميترات الى ان تصل الى مئات الامتار تنفصل هذه الكتل من المذنبات فتفقد زخمها في المذنب وتتركه بسرعة قليلة فتنجذب الى اقرب الكواكب اليها فتتأثر بجاذبيته فتدخل بعد وصولها الى اجوائه في سماءه وتصطدم بعد ذلك به , ان بقى منها شيء ووصل الى مستوى سطح الكوكب، وما ذكره ابن كثير رحمه الله فانه وبدافع السياق فقد اجبر على ان يقول ذلك، اي ان السياق لا يمكن الا ان يفسر هكذا فالدقة الفظيه للقرآن الكريم لم تعطيه مجالاً إلا أن يقول أن هناك في السماء جبالاً , ولم يصدق كلامه إلا علماء القرن العشرين فقد كان كلامه صعب التصديق من العلميين والعلماء قبل ذلك .

 مع العلم ان المفسرين وقعوا بحيرة عظيمة ولك هذا المثال على الحيرة (وينزل من السماء من جبال فيها من برد قيل خلق الله في السماء جبالا من برد فهو ينزل منها بردا وفيه إضمار أي ينزل من جبال البرد بردا فالمفعول محذوف ونحو هذا قول الفراء لأن التقدير عنده من جبال برد فالجبال عنده هي البرد وبرد في موضع خفض ويجب أن يكون على قوله المعنى من جبال برد فيها بتنوين جبال وقيل إن الله تعالى خلق في السماء جبالا فيها برد فيكون التقدير وينزل من السماء من جبال فيها برد , وقيل المعنى وينزل من السماء قدر جبال أو مثل جبال من برد إلى الأرض فمن الأولى للغاية لأن ابتداء الإنزال من السماء والثانية للتبعيض لأن البرد بعض الجبال والثالثة لتبيين الجنس لأن جنس تلك الجبال من البرد وقال الأخفش إن من في الجبال وبرد زائدة في الموضعين والجبال والبرد في موضع نصب أي ينزل من السماء بردا يكون كالجبال ) .

وكما يقول مفسر آخر(وزعم الحوفي أن من الثانية للتبعيض كالثالثة مع قوله بالبدلية وهو خطأ ظاهر وقيل من الأولى ابتدائية والثانية للتبعيض واقعة موقع المفعول وقيل زائدة على رأي الأخفش أيضا والثالثة للبيان أي ينزل مبتدأ من السماء بعض جبال أو جبالا كائنة فيها التي هي برد فالمنزل برد , وعن الأخفش إن من الثانية ومن الثالثة زائدتان وكل من المجرورين في محل نصب أما الأول فعلى المفعولية لينزل وأما الثاني فعلى البدلية منه أي ينزل من السماء جبالا بردا وماآله ينزل من السماء بردا , وقال الفراء هما زائدتان إلا أن المجرور بأولاهما في موضع نصب على المفعولية والمجرور بثانيهما في موضع رفع إما على أنه مبتدأ و فيها خبره والضمير من فيها للجبال أي ينزل من السماء جبالا في تلك الجبال برد لا شيء آخر من حصى وغيره , وإما على أنه فاعل فيها لأنه قد اعتمد على الموصوف أعني الجبال ) وهكذا ترى كم هناك من آراء .

نعود الان الى التفسير العلمي , ثم يقول سبحانه عن هذه الكتل من الجبال التي فيها من برد (فيصيب بها من يشاء ويصرفه عمن يشاء) فالمطر العادي او حتى البرد مع المطر يصيب كل الكرة الارضية فلا تكاد منطقة مهما كانت في الصحراء وفي ابعد نقاط الربع الخالي الا وينزل عليها مطراً او بردا حتى ولو بنسبة قليلة جداً، اما هذه الجبال الثلجية النازلة من السماء فانه لا تصيب كل الأرض بل (فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء) لتكون ما يسمى الشهب الثلجية، وهذه الشهب عند سقوطها نحو الارض تحدث خطاً في السماء لامعا بدخولها الجو الأرضي فهي بالاضافة الى نتيجة اصطدامها بالهواء وهى تسير بسرعة كبيرة جداً فتسخن مصدرة هذا الضوء اللامع الذي اعتدنا ان نراه في السماء فهي تصدر ضوئا متئينا ويكون بدون رعد وطبعا هنا لم يذكر سبحانه الرعد وكلمة (يصيب) تعنى في اللغة العربية كل ما فيه عذاباً وغضباً ، فهي مؤذية وليس كل المطر الذي فيه برد مؤذى، أما الشهب فهي لو وصلت الأرض فستحدث دماراً اكيداً وكذلك لو وصلت القمر، ونعتقد ان يوم القيامة سيبتدأ بمذنب يضرب القمر، فمن صرف عنه سبحانه وتعالى هذه الشهب فقد صرف عنه عذاباً، ونحن لا نعتقد ان نزول برد المطر فيه عذباً بهذا المعنى المرعب للشهب.

يقول بعدها سبحانه وتعالى (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ) وهذه تعنى ببساطة أن هذه الشهب عندما تدخل غلاف الأرض فإنها تصدر ما نراه برقاً طبعا بدون رعد، له شدة وطبيعة ضوئية تكاد تذهب بالإبصار !! هنا يذكر سبحانه وتعالى امراً علمياً دقيقاً جداً، فدخول هذه الشهب والتي اصلها أجزاء من جبال من برد من السماء ، أي ان أجزاء من مذنبات وبما تحويه هذه المذنبات قد دخلت إلى جو الأرض.

وجدنا ان في هذه المذنبات , كتلة من الماء المتجلد مع هالة ضخمة وغيمة من الإلكترونات المتأينة التي جاءت من مرور هذا المذنب قرب الشمس حيث ان هذه المذنبات والتي مرت قرب الشمس ودارت ملايين المرات , في بعض المرات يكون مرورها قريباً جداً من الشمس فيأخذ معه عند مروره من طبقة الإلكترونات الحرة الموجودة حول الشمس، والجزء الذي ينفصل ويدخل إلى الأرض يأتي معه كمية من هذه الأيونات على شكل غازات متأينة بشدة وتحيطه , وعند دخولها الى جو الأرض فأن جزء المذنب أو هذا الشهاب سوف يسخن إلى درجة عالية ومع هذا فانه لا يحترق ولن يتأكسد كما في الشهب المعدنية والتي تصدر لوناً احمرا براقا ً نتيجة احتواء معظم الشهب المعدنية على الحديد والنيكل الذي يصدر هذا ألوانا حمراء عند احتراقه , أما الشهب الثلجية فأنها ستفرغ كل أيوناتها مصدرة لوناً اقرب إلى البنفسجي ومصدرة أطوال موجيه و أشعه متأينة بين طول 50 إلى 450 نانوميتر وفيه جزء مرئي وهو من 350 إلى 450 نانوميتر والجزء الغير مرئي هو ذوي الأطوال القصيرة ( طوله الموجي من 50 إلى 100 نانو ميتر) وهذا هو الجزء الخطر من أشعتها إضافة إلى كمية ضخمة من البلازما القادمة مع جزء المذنب من مادة الشمس ، وكلها تؤدى إلى إصدار إشعاعات خاصة وخطرة والتي تؤدى إلى العمى الوقتي ، وحيث أن عامل الوقت مهم في ضهور آثار الضوء على العين ,ولكون مدة التعرض قليلة جدا أضافه إلى ان الموجات تطابق 45 % فقط من الكمية والقوه ( سنى ) الذي يؤدى إلى العمى ، فسبحانه وتعالى يقول وبدقة علمية كبيرة جدا ( يكاد ) أي اقل من 50 % ، فهذه الشدة لا تصل إلى أن تؤدى إلى العمى الوقتي أو الدائمي ، وما تحدثه هذه الإشعاعات هو أنها تطلق مادة الدوبامين بكثافة في الشبكية داخل العين مما يعيق ويثبط مرور الإشارات المتكونة في المستلمات الضوئية إلى الطبقة الأولي من الخلايا والطبقة الثانية ، وكذلك الايعازات التي تنطلق في العصب البصري ( كانون صفحة 153 ) ، أي لو أن مدة التعرض كانت كافية والطول الموجي مطابق اكثر للطول الموجي الخطر وشدة الإضاءة أعلى فإنها ستؤدى إلى توقف عملية الإبصار لمدة من الزمن ، ولكن هل عملية الإبصار هي التي تتأثر  ام ان العين بذاتها ستتلف , فسبحانه وتعالى يقول (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ ) أي أن العملية تؤثر في الإبصار وليس في العين ذاتها ، فلو قارناه بضوء يزيد بالقوة عن عشرة آلاف مليون ملي لامبرتيز (ضوء الشمس المباشر عند النظر الى اليها) أو إلى أشعة متأينة كالتي تأتى من لحام القوس الكهربائي ( الولدن ) فان هاتين الاشعتين ستحدث حروقا وضررا سوف يحدث في العين أي في القرنية والشبكية وقد يؤدى إلى آثار سلبية تصل إلى حد العمى الكلى ، أما الضوء القادم من هذه الشهب فهو يكاد فقط ، وهذه الكلمة وضعها سبحانه وتعالى بدون أن يظهر لها أي فعل (اي حينها لا تؤدي الى عمى فكيف نعرف حقا انها موجودة) وانا اعتقد ان الله ذكرها لتكتشف من قبل العلماء بعد اكثر من1400 سنه لتثبت أن هذا القران من عند الله .

ولنقارن ذلك بالبرق القادم من الغيوم فبالرغم من شدته العالية ولكنه يعتبر ضوئياً (في مديات الضوء المرئي)ويمكن للإنسان أن يسير به كما وضحنا سابقاً، ولكن ليس فيه ما يؤدى إلى العمى الوقتي بطوله الموجي ،  وممكن ان يؤدي الى العمى الوقتي بسبب قوة الضوء القادم منه وبنوعية من فقدان البصر لثواني فقط وهذا غير تأثير الضوء المتأين الذي يأتي من الشهب الثلجية فهو لا ينطبق عليه (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ) انظر هنا سنى برقه بينما في البرق العادي (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ )في الاولى سنى البرق بينما في الثانية البرق ذاته، ومن هذا نرى أن الدقة اللفظية جاءت بمستوى لا يمكن لبشر مهما أوتي من علم أن يكتبها هكذا، لا بل لو اجتمع الإنس والجن على أن يؤتوا بمثله ما استطاعوا (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) (الإسراء)) وهذا الماء الذي يدخل جو الأرض قد يتبخر أو قد يصل ماء إلى الأرض وقد يصل كشهاب إلى سطح الأرض، وكمية قليلة جداً حيث أنها لا تمثل شيئاً نسبة لماء الأرض ولكن الله سبحانه وتعالي ذكره ليكون عبره لأولى الألباب .

والماء الجلاتيني الذي ينزل في الاخص في المناطق القريبة من الاقطاب والذي ظهر مؤخرا في العديد من التقارير العلمية (ظهر في كندا عدة مرات ومرة في الهند ) , والذي يسبقه دائما ضوء مبهر ويؤدي الى آثار على العينين  , والماء بشكل جلاتيني غريب جدا وفحص مختبريا واصبح مشهورا (من عين اليقين وليس فرضية ونظرية) ,  وان مصدره شهب ثلجية مذنبية ,ولا زلت ابحث في الوثائق التي تثبت انها  بقايا المذنبات التي تدخل جو الارض.

اقوال المفسرين لمن يود الرجوع اليها

 

 

الدر المنثور – السيوطي ج6/ص211

– قوله تعالى ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار
أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله فترى الودق قال المطر
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في قوله فترى الودق قال القطر
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بجيلة عن أبيه قال الودق البرق
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله من خلاله قال السحاب
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس انه قرأها من خلله بفتح الخاء من غير ألف
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن كعب قال لو أن الجليد ينزل من السماء الرابعة لم يمر بشيء إلا أهلكه
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله يكاد سنا برقه يقول ضوء برقه
وأخرج الطستي عن ابن عباس ان نافع بن الازرق قال له أخبرني عن قوله يكاد سنا برقه قال السنا الضوء
قال وهل تعرف العرب ذلك قال نعم
أما سمعت أبا سفيان بن الحارث وهو يقول يدعو إلى الحق لا ينبغي به بدلا يجلو بضوء سناه داجي الظلم وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة يكاد سنا برقه قال لمعان البرق
وأخرج ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب ان كعبا سأل عبد الله بن عمرو عن البرق قال هو ما يسبق من البرد
وقرأ < جبال فيها من برد يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار >
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله يقلب الله الليل والنهار قال يأتي الليل ويذهب بالنهار ويأتي بالنهار ويذهب بالليل

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز – الأندلسي ج3/ص471
الإزجاء سوق الثقيل السير إما لضعف أو ثقل حمل أو غيره فالإبل الضعاف تزجي ومنه قول الفرزدق
على زواحف تزجيها محاسير البسيط
والسحاب تزجى ومنه قوله تعالى ألم تر أن الله يزجي سحابا والبضاعة المزجاة هي التي تحتاج لاختلالها أن تساق بشفاعة وتدفع بمعاون إلى الذي يقبضها وإزجاء الفلك سوقه بالريح اللينة والمجاديف و الفلك و البحر الماء الكثير عذبا كان او ملحا وقد غلب الاسم على هذا المشهور و الفلك تجري فيها

تفسير أبي السعود ج6/ص184
ألم تر أن الله يزجي سحابا الإزجاء سوق الشيء برفق وسهولة غلب في سوق شيء يسير أو غير معتد به ومنه البضاعة المزجاة ففيه إيماء إلى أن السحاب بالنسبة إلى قدرته تعالى مما لا يعتد به ثم يؤلف بينه أي بين أجزائه بضم بعضها إلى بعض وقرئ يولف بغير همزة ثم يجعله ركاما أي متراكما بعضه فوق بعض فترى الودق أي المطر إثر تراكمه وتكاثفه وقوله تعالى يخرج من خلاله أي من فتوقه حال من الودق لأن الرؤية بصرية وفي تعقيب الجعل المذكور برؤيته خارجا لا بخروجه من المبالغة في سرعة الخروج على طريقة قوله تعالى فقلنا اضرب بعصاك البحر فانفلق ومن الاعتناء بتقرير الرؤية ما لا يخفى والخلال جمع خلل كجبال وجبل وقيل مفرد كحجاب وحجاز ويؤيده أنه قرئ من خلله وينزل من السماء من الغمام فإن كل ما علاك سماء من جبال أي من قطع عظام تشبه الجبال في العظم كائنة فيها وقوله تعالى من برد مفعول ينزل على أن من تبعيضية والأوليان لابتداء الغاية على أن الثانية بدل اشتمال من الأولى بإعادة الجار أن ينزل مبتدئا من السماء من جبال فيها بعض يرد وقيل المفعول محذوف ومن برد بيان للجبال أن ينزل مبتدئا من السماء من جبال فيها من جنس البرد بردا والأول أظهر لخلوه عن ارتكاب الحذف والتصريح ببعضه المنزل وقيل المفعول من مشبهة بالجبال في الكثرة وأياما كان فتقديم الجار والمجرور على المفعول لما غير مرة من الاعتناء بالمقد والتشريق إلى المؤخر وقيل المراد بالسماء المظلة وفيها جبال من برد أن كما في الأرض جبالا من حجر وليس في العقل وما ينفيه من قاطع والمشهر أن الأبخرة إذا تصاعدت ولم تحللها حرارة فبلغت الطبق الباردة من الهواء وقوى البرد اجتمع هناك وصار سحابا وإن لم يشتد البرد تقاطر مطرا وإن اشتد فإن وصل إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها نزل ثلجا وإلا نزل بردا وقد يبرد الهواء بردا مفرطا فينقبض وينعقد سحابا وينزل منه المطر أو الثلج وكل ذلك مستند إلى إدارة الله تعالى ومشيئته المبنية على الحكم والمصالح فيصيب به أي ما ينزله من البرد من يشاء أن يصيبه به فيناله ما يناله من ضرر نفسه وماله ويصرفه عن من يشاء أن يصرفه عنه فينجو من غائلته يكاد سنا برقه أي ضوء برق السحاب الموصوف بما مر من الإزجاء والتأليف وغيرهما وإضافة البرق إليه قبل الأخبار بوجوده فبه للإيذان بظهور أمره واستغنائه عن التصريح به وقرىء بالمد بمعنى الرفعة والعلو وبإدغام الدال في السين وبرقه يفتح الراء على أنه جمع برقه وهي مقدار على البرق كالغرفة وبضمها للاتباع لضمة الباء يذهب بالأبصار أي يخطفها من فرط الأضاءة وسرعق ورودها وفي إطلاق الأبصار مزيد تهويل لأمره وبيان لشدة تأثيره فيها كأنه يكاد يذهب بها ولو عند الاغماض وهذا من أقوى الدلائل على كمال القدرة من حيث إنه توليد للضد من الضد وقرىء يذهب من الإذهاب على زيادة البا

تفسير البيضاوي ج4/ص194
ألم تر أن الله يزجي سحابا يسوقه ومنه البضاعة المزجاة فإنه يزجيها كل أحد ثم يؤلف بينه بأن يكون قزعا فيضم بعضه إلى بعض وبهذا الإعتبار صح بينه إذ المعنى بي أجزائه وقرأ نافع برواية ورش < يولف > غير مهموز ثم يجعله ركاما متراكما بعضه فوق بعض فترى الودق المطر يخرج من خلاله من فتوقه جمع خلل كجبال في جبل وقرىء م ن < خلله > وينزل من السماء من الغمام وكل ما علاك فهو سماء من جبال فيها من قطع عظام تشبه الجبال فيعظمها أو جمودها من برد بيان للجبال والمفعول محذوف أي ينزل مبتدأ من السماء من جبال فيها من برد بردا ويجوز أن تكون من الثانية أو الثالثة للتبغيض واقعة موقع المفعول وقيل المراد بالسماء المظلة وفيها جبال من برد كما في الأرض جبال من حجر وليس في العقل قاطع يمنعه والمشهور أن الأبخرة إذا تصاعدت ولم تحللها حرارة فبلغت الطبقة الباردة من الهواء وقوي البرد هناك اجتمع وصار سحابا فإن لم يشتد البرد تقاطر مطرا وإن اشتد فإن وصل إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها نزل ثلجا والإنزال بردا ووقد يبرد الهواء بردا مفرطا فيقبض وينعقد سحابا ونزل منه المطر أو الثلج وكل ذلك لا بد أن يستند إلى إرادة الواجب الحكيم لقيام الدليل على أنها الموجبة لا ختصاص الحوادث بمحالها وأوقاتها وإليها أشار بقوله
فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء والضمير للبرد يكاد سنا برقه ضوء برقه وقرىء بالمد بمعنى العلو وبإدغام الدال في السين برقه بضم الباء وفتح الراء وهو جمع برقة وهي المقدار من البرق كالغرقة وبضمها للاتباع يذهب بالأبصار بأبصار الناظرين إليه من فرط الإضاءة وذلك أقوى دليل على كمال قدرته من حيث إنه توليد للضد من الضد وقرىء يذهب على زيادة الباء

تفسير الجلالين ج1/ص466
ألم تر أن الله يزجي سحابا يسوقه برفق ثم يؤلف بينه يضم بعضه إلى بعض فيجعل القطع المتفرقة قطعة واحدة ثم يجعله ركاما بعضه فوق بعض فترى الودق المطر يخرج من خلاله مخارجه وينزل من السماء من زائدة جبال فيها في السماء بدل بإعادة الجار من برد أي بعضه فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد يقرب سنا برقه لمعانه يذهب بالأبصار الناظرة له أي يخطفها

تفسير السعدي ج1/ص571
أي ألم تشاهد ببصرك عظيم قدرة الله وكيف يزجي أي يسوق سحابا قطعا متفرقة ثم يؤلف بين تلك القطع فيجعله سحابا متراكما مثل الجبال فترى الودق أي الوابل والمطر يخرج من خلال السحابة نقطا متفرقة ليحصل بها الانتفاع من دون ضرر فتمتلىء بذلك الغدران وتتدفق الخلجان وتسيل الأودية وتنبت الأرض من كل زوج كريم وتارة ينزل الله من ذلك السحاب بردا يتلف ما يصيبه فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء أي بحسب اقتضاء حكمه القدري وحكمته التي يحمد عليها يكاد سنا برقه أي يكاد ضوء برق ذلك السحاب من شدته يذهب بالأبصار أليس الذي أنشأها وساقها لعباده المفتقرين وأنزلها على وجه يحصل به النفع وينتفي به الضرر كامل القدرة نافذ المشيئة واسع الرحمة

تفسير السمرقندي ج2/ص517
قوله عز وجل ألم تر أن الله يزجي سحابا يعني يسوق سحابا ثم يؤلف بينه يعني يجمع بينه ثم يجعله ركاما يعني قطعا قطعا ويقال يجعل بعضها فوق بعض فترى الودق يعني المطر يخرج من خلاله يعني من وسط السحاب قرأ إبن عباس يخرج خلاله وقراءة العامة من خلاله وهي جمع خلل وينزل من السماء من جبال فيها من برد يعني من جبال في السماء قال مقاتل روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال جبال السماء أكثر من جبال الأرض فيها من برد يعني في الجبال من برد ويقال وهو الجبال من البرد أي ينزل من السماء من جبال البرد وروي عن إبن عباس أنه قال البرد هو الثلج وما رأيته ويقال الجبال عبارة عن الكثرة يعني ينزل الثلج مقدار الجبال كما تقول عند فلان جبال من مال أي مقدار جبال من كثرته ويقال البرد هو الذي له صلابة كهيئة الجمد فيصيب به من يشاء يعني البرد يصيب الزرع والإنسان إذا كان في مفازة ويصرفه عمن يشاء فلا يصيبه ويقال يصيب به يعني يعذب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء فلا يعذبه يكاد سنا برقه يعني ضوء برقه يذهب بالأبصار يعني من شدة نوره قرأ أبو جعفر المدني يذهب بضم الياء وكسر الهاء وقراءة العامة يذهب بنصب الياء والهاء

تفسير السمعاني ج3/ص538
قوله تعالى ألم تر أن الله يزجي سحابا أي يسوق سحابا قال الشاعر
إني أتيتك من أرضي ومن وطني أزجي حشاشة نفس ما بها رمق
وقوله ثم يؤلف بينه أي يجمع بينه
وقوله ثم يجعله ركاما أي متراكما بعضه على بعض
وقوله فترى الودق يخرج من خلاله أي المطر يخرج من خلاله والخلال جمع الخلل كالجبال جمع الجبل قال الشاعر في الودق
فلا مزنة ودقت ودقها
ولا أرض أبقل إبقالها
وقوله وينزل من السماء من جبال فيها من برد روي عن ابن عباس أنه قال في السماء جبال من برد فينزل منها البرد
قال ابن عباس وإنما خاطب القوم بما يعرفون وإلا ما الثلج أكثر من البرد والعرب ما رأوا الثلج قط وعن ابن عباس أنه قال الثلج شيء أبيض ينزل من السماء ما رأيته قط وقال غيره قوله وينزل من السماء من جبال أي مقدار الجبال في الكثرة ويقال فلان له جبال مال شبه بالجبال للكثرة
ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار 43 يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار
وقوله من صلة معناه ينزل من السماء جبالا من برد
وقوله فيصيب به من يشاء يعني بالبرد من يشاء ويصرفه عن من يشاء
وقوله يكاد سنا برقه أي ضوء برقه وقد ذكرنا شعرا في هذا
وقوله يذهب بالأبصار يعني من شدة الضوء
تفسير القرطبي ج12/ص288
قوله تعالى ألم ترى أن الله يزجي سحابا ذكر من حججه شيئا آخر أي ألم تر بعيني قلبك يزجي سحابا أي يسوق إلى حيث يشاء والريح تزجي السحاب والبقرة تزجي ولدها أي تسوقه ومنه زجا الخراج يزجو زجاء ممدودا إذا تيسرت جبايته وقال النابغة إني أتيتك من اهلي ومن وطني أزجي حشاشة نفس ما بها رمق وقال أيضا أسرت عليه من الجوزاء سارية تزجي الشمال عليه جامد البرد ثم يؤلف بينه أي يجمعه عند انتشائه ليقوى ويتصل ويكثف والأصل في التأليف الهمز تقول تألف وقرئ يولف بالواو تخفيفا والسحاب واحد في اللفظ ولكن معناه جمع ولهذا قال وينشئ السحاب الرعد وبين لا يقع إلا لاثنين فصاعدا فكيف جاز بينه فالجواب أن بينه هنا لجماعة السحاب كما تقول الشجر قد جلست بينه لأنه جمع وذكر الكناية على اللفظ قال معناه الفراء وجواب آخر وهو أن يكون السحاب واحدا فجاز أن يقال بينه لأنه مشتمل على قطع كثيره كما قال بين الدخول فحومل فأوقع بين على الدخول وهو واحد لاشتماله على مواضع وكما تقول ما زلت أدور بين الكوفة لأن الكوفة أماكن كثيرة قاله الزجاج وغيره وزعم الأصمعي أن هذا لا يجوز وكان يروي بين الدخول وحومل أي مجتمعا يركب بعضه بعضا كقوله تعالى وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم الطور والركم جمع الشيء يقال منه ركم الشيء يركمه ركما إذا جمعه وألقى بعضه على بعض وارتكم الشيء وتراكم إذا اجتمع والركمة الطين المجموع والركام الرمل المتراكم وكذلك السحاب وما أشبهه ومرتكم الطريق بفتح الكاف جادته فترى الودق يخرج من خلاله في الودق قولان أحدهما أنه البرق قاله أبو الأشهب العقيلي ومنه قول الشاعر أثرنا عجاجة وخرجن منها خروج الودق من خلل
الثاني أنه المطر قاله الجمهور ومنه قول الشاعر فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها وقال امر ؤ القيس فدمعهما ودق وسح وديمة وسكب وتوكاف وتنهملان يقال ودقت السحابة فهي وادقة وودق المطر يدق ودقا أي قطر وودقت إليه دنوت منه وفي المثل ودق العير إلى الماء أي دنا منه يضرب لمن خضع للشيء لحرصه عليه والموضع مودق وودقت به ودقا استأنست به ويقال لذات الحافر إذا أرادت الفحل ودقت تدق ودقا وأودقت واستودقت وأتان ودوق وفرس ودوق ووديق أيضا وبها وداق والوديقة شدة الحر وخلال جمع خلل مثل الجبل والجبال وهي فرجه ومخارج القطر منه وقد تقدم في البقرة أن كعبا قال إن السحاب غربال المطر لولا السحاب حين ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه من الأرض وقرأ بن عباس والضحاك وأبو العالية من خلله على التوحيد وتقول كنت في خلال القوم أي وسطهم وينزل من السماء من جبال فيها من برد قيل خلق الله في السماء جبالا من برد فهو ينزل منها بردا وفيه إضمار أي ينزل من جبال البرد بردا فالمفعول محذوف ونحو هذا قول الفراء لأن التقدير عنده من جبال برد فالجبال عنده هي البرد وبرد في موضع خفض ويجب أن يكون على قوله المعنى من جبال برد فيها بتنوين جبال وقيل إن الله تعالى خلق في السماء جبالا فيها برد فيكون التقدير وينزل من السماء من جبال فيها برد ومن صلة وقيل المعنى وينزل من السماء قدر جبال أو مثل جبال من برد إلى الأرض فمن الأولى للغاية لأن ابتداء الإنزال من السماء والثانية للتبعيض لأن البرد بعض الجبال والثالثة لتبيين الجنس لأن جنس تلك الجبال من البرد وقال الأخفش إن من في الجبال وبرد زائدة في الموضعين والجبال والبرد في موضع نصب أي ينزل من السماء بردا يكون كالجبال والله أعلم فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء فيكون إصابته نقمة وصرفه نعمة وقد مضى في البقرة والرعد أن من قال حين يسمع الرعد سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ثلاثا عوفي مما يكون في ذلك من الرعد يكاد سنا برقه أي ضوء ذلك البرق الذي في السحاب يذهب بالابصار من شدة بريقه وضوئه قال الشماخ وما كادت إذا رفعت سناها ليبصر ضوءها إلا البصير وقال امرأ القيس يضيء سناه أو مصابيح راهب أهان السليط في الذبال المفتل فالسنا مقصور ضوء البرق والسنا أيضا نبت يتداوى به والسناء من الرفعة ممدود وكذلك قرأ طلحة بن مصرف سناء بالمد على المبالغة من شدة الضوء والصفاء فأطلق عليه اسم الشرف قال المبرد السنا مقصور وهو اللمع فإذا كان من الشرف والحسب فهو ممدود وأصلهما واحد وهو الالتماع وقرأ طلحة بن مصرف سناء برقه قال أحمد بن يحيى وهو جمع برقة قال النحاس البرقة المقدار من البرق والبرقة المرة الواحدة وقرأ الجحدري وبن القعقاع يذهب بالابصار بضم الياء وكسر الهاء من الإذهاب وتكون الباء في بالأبصار صلة زائدة الباقون يذهب بالأبصار بفتح الياء والهاء والباء للإلصاق والبرق دليل على تكاثف السحاب وبشير بقوة المطر ومحذر من نزول الصواعق

روح المعاني – الألوسي ج18/ص189
ألم تر أن الله يزجي سحابا الخ كالتأكيد لما قبله والتنوير له والإزجاء سوق الشيء برفق وسهولة وقيل سوق الثقيل برفق وغلب على ما ذكر بعض الأجلة في سوق شيء يسير أو غير معتد به ومن البضاعة المزجاة أي المسوقة شيئا بعد شيء على قلة وضعف وقيل أي التي تزجي أي تدفع للرعية للرغبة عنها وفي التعبير بيزجي على ما ذكر إيماءا إلى أن السحاب بالنسبة إلى قدرته تعالى مما لا يعتد به وهو اسم جنس جمعي واحده سحابة والمعنى كما في البحر يسوق سحابة إلى سحابة ثم يؤلف بينه بأن يوصل سحابة بسحابة وقال غير واحد السحاب واحد كالعماء والمراد يؤلف بين أجزائه وقطعه وهذا لأن بين لا تضاف لغير متعدد وبهذا التأويل يحصل التعدد كما قيل به في قوله بين الدخول فحومل واستغنى بعضهم عنه بجعل السحاب اسم جمعي على ما سمعت
وقرأ ورش عن نافع يولف غير مهموز ثم جعله ركاما أي متراكما بعضه فوق بعض فترى الودق أي المطر شديدا كان أو ضعيفا إثر تراكمه وتكاثفه وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بحيلة عن أبيه أنه فسر الودق بالبرق ولم نره لغيره والذي رأيناه في معظم التفاسير وكتب اللغة أنه المطر يخرج من خلاله أي من فتوقه ومخارجه التي حدثت بالتراكم والإنعصار وهو جمع خلل كجبال وجبل وقيل هو مفرد كحجاب وحجاز وأيد بقراءة ابن عباس وابن مسعود وابن زيد والضحاك ومعاذ العنبري عن أبي عمرو والزعفراني من خلله والمراد حينئذ الجنس والجملة في موضع الحال من الودق لأن الرؤية بصرية وفي تعقيب الجعل المذكور برؤيته خارجا لا بخروجه من المبالغة في سرعة الخروج على طريقة قوله تعالى فقلنا اضرب بعصاك البحر فانفلق ومن الإعتناء بتقرير الرؤية ما لا يخفى وينزل من السماء أي من السحاب فإن كل ما علاك سماء وكأنه العدول عنه إلى السماء للإيماء إلى أن للسمو مدخلا فيما ينزل بناء على المشهور في سبب تكون البرد وجوز أن يراد بها جهة العلو للإيماء المذكور ذكرت مع التنزيل من جبال أي من قطع عظام تشبه الجبال في العظم على التشبيه البليغ كما في قوله تعالى حتى إذا جعله نارا والمراد بها قطع السحاب ومن الغريب الذي لا تساعده اللغة كما في الدرر والغرر الرضوية قول الأصبهاني إن الجبال ما جبله الله تعالى أي خلقه من البرد فيها أي في السماء والجار والمجرور في موضع الصفة لجبال وقوله تعالى من برد وهو معروف وسمي بردا لأنه يبرد وجه الأرض أي يقشره من بردت الشيء بالمبرد مفعول ينزل على أن من تبعيضية وقيل زائدة على رأي الخفش والأوليان لابتداء الغاية والجار والمجرور الثاني بدل من الأول بدل اشتمال أو بعض أي ينزل مبتدأ من السماء من جبال كائنة فيها بعض برد أو بردا
وزعم الحوفي أن من الثانية للتبعيض كالثالثة مع قوله بالبدلية وهو خطأ ظاهر وقيل من الأولى ابتدائية والثانية للتبعيض واقعة موقع المفعول وقيل زائدة على رأي الأخفش أيضا والثالثة للبيان أي ينزل مبتدأ من السماء بعض جبال أو جبالا كائنة فيها التي هي برد فالمنزل برد وعن الأخفش إن من الثانية ومن الثالثة زائدتان وكل من المجرورين في محل نصب أما الأول فعلى المفعولية لينزل وأما الثاني فعلى البدلية منه أي ينزل من السماء جبالا بردا وماآله ينزل من السماء بردا وقال الفراء هما زائدتان إلا أن المجرور بأولاهما في موضع نصب على المفعولية والمجرور بثانيهما في موضع رفع إما على أنه مبتدأ و فيها خبره والضمير من فيها للجبال أي ينزل من السماء جبالا في تلك الجبال برد لا شيء آخر من حصى وغيره وإما على أنه فاعل فيها لأنه قد اعتمد على الموصوف أعني الجبال وضمير راجع إليها أيضا والمراد بالجبال على غير ما قول الكثرة مجازا وقد جاء استعمالها فيها كذلك في قول ابن مقبل إذا مت عن ذكر القوافي فلن ترى لها شاعرا مني أطلب وأشعرا وأكثر بيتا شاعرا ضربت له بطون جبال الشعر حتى تيسرا ويقال عنده جبل من ذهب وجبل من علم وعن مجاهد والكلبي وأكثر المفسرين أن المراد بالسماء المظلمة وبالجبال حقيقتها قالوا إن الله تعالى خلق في السماء جبالا من برد كما خلق في الأرض جبالا من حجر وليس في العقل ما ينفيه من قاطع فيجوز إبقاء الآية على ظاهرها كما قيل والمشهور بين أهل الحكمة أن انبعاث قوى السماويات وأشعتها قد يوجب تصعيد أجسام لطيفة مرتفعة عن الماء ممتزجة مع الهواء وهي التي سمي بخارا ولثقله بالنسبة إلى الدخان لرطوبته ويبس الدخان يقف في حيز الهواء بحيث لا يكون واصلا إليه الحرارة الكائنة من الشعاع المنعكس عن جرم الأرض ويكون متباعدا عن المتسخن بحرارة النار فيبقى في الطبقة الباردة من الهواء فيبرد ويتكاثف بالتصاعد شيئا فشيئا فيرتكم منه سحاب فيقطر مطرا إما كله أو بعضه ويتفرق بعضه لبقائه على صورته الهوائية واستحالة ما قطر إلى صورته المائية فإن طالت مسافتها اتصلت فكانت قطراتها أكبر وإن اشتد البرد عليها صارت بردا أو نزلت ثلجا وامتنع تصاعد البخار عند ذلك فيبرد وجه الأرض مع برد الجو فيكون من البرد القوي فإن صادف ريحا اشتد البرد لإزالتها البخار الأرضي وإن لم يصادف ريحا أذاب البخار الثلج وسخن وجه الأرض وذكروا أنه كلما طالت المسافة اتصلت وكبرت القطرات وصادف البرد كان البرد أكبر مقدارا وقد ينعقد المطر بردا داخل السحاب ثم ينزل وذلك في الربيع عندما يصيبه سخونة من خارجه فتبطن البرودة في داخله عند انحلاله قطرات فيجمد وقد يكون البخار أكثر تكاثفا فلا يقوى على الإرتفاع ويبرد بسرعة بما يوافيه من برد الليل لعدم الشعاع وليس بحيث يصير سحابا فيكون منه الظل وقد يجمد في الأعالي قبل تراكمه فيكون منه الصقيع وقد يتكاثف الهواء لإفراط البرد فينعقد سحابا ويمطر بحاله والحق أن كل ذلك مستند إلى إرادة الله عز وجل ومشيئته سبحانه المبنية على الحكم والمصالح والأسباب التي ذكرت عادية ولا أرى بأسا بالقول بذلك وباعتبار أن أول الأسباب القوى السماوية وأشعتها صح أن يقال إن الإنزال مبتدأ من السماء على ما أشار إليه العلامة البيضاوي في الكلام على سورة البقرة وحمل الآية على ما يوافق المشهورة لا يخل بجزالتها بل هي عليه أجزل وعن شكوك العوام أبعد لا سيما أهل الجبال الذين قد يمطرون وينزل على أرضهم البرد وهم فوق الجبال في الشمس فيصيب به أي بما ينزل من البرد من يشاء أي يصيبه فيناله ما يناله من ضرر في ماله ونفسه ويصرفه عن من يشاء أن يصرفه عنه فينجو من غائلته ورجوع الضميرين إلى البرد هو الظاهر
وفي البحر يحتمل رجوعهما إلى الودق والبرد فيهما مجرى اسم الإشارة كأنه قيل فيصيب بذلك ويصرف ذلك والمطر أغلب في الإصابة والصرف وأبلغ في المنفعة والإمتنان أه وفيه بعد ومنع ظاهر
يكاد سنا برقه أي ضوء برق السحاب الموصوف بما مر من الإزجاء والتأليف وغيرهما وإضافة البرق إليه قبل الإخبار بوجوده للإيذان بظهور أمره واستغنائه على التصريح به وعلى ما سمعت عن أبي بجيلة لا يحتاج إلى هذا ورجوع الضمير إلى البرد أي برق البرد الذي يكون معه ليس بشيء وتقدم الكلام في حقيقة البرق فتذكر وقرأ طلحة بن مصرف سناء ممدودا برقه بضم الباء وفتح الراء جمع برقة بضم الباء وهي المقدار من البرق كالغرفة واللقمة وعنه أيضا أنه قرأ برقه بضم الباء والراء أتبع حركة الراء لحركة الباء كما قيل نظيره في ظلمات والسناء ممدودا بمعنى العلو وارتفاع الشأن وهو هنا كناية عن قوة الضوء وقريء يكاد سنا بإدغام الدال في السين يذهب بالأبصار
43
أي يحفظها من فرط الإضاءة وسرعة ورودها وفي إطلاق الأبصار مزيد تهويل لأمره وبيان لشدة تأثيره فيها كأنه يكاد يذهب بها ولو عند الإغماض وهذا من أقوى الدلائل على كمال القدرة من حيث أنه توليد للضد من الضد وقرأ أبو جعفر يذهب بضم الياء وكسر الهاء وذهب الأخفش وأبو حاتم إلى تخطئته في هذه القراءة قالا لأن الباء تعاقب الهمزة ولا يجوز اجتماع أداتي تعدية وقد أخطأ في ذلك لأنه لم يكن ليقرأ إلا بما روي وقد أخذ القراءة عن سادات التابعين الآخذين عن جلة الصحابة أبي وغيره رضي الله تعالى عنهم ولم ينفرد هو بها كما زعم الزجاج بل قرأ أيضا كذلك شيبة وخرج ذلك على زيادة الباء أي يذهب الأبصار وعلى أن الباء بمعنى من كما في قوله فلثمت فاها قابضا بقرونها شرب النزيف ببرد ماء الحشرج والمفعول محذوف أي يذهب النور من الأبصار وأجاز الحريري كما نقل عنه الطيبي الجمع بين أداتي تعدية يقلب الله الليل والنهار بإتيان أحدهما بعد الآخر أو بنقص أحدهما وزيادة الآخر أو بتغيير أحوالهما بالحر والبرد وغيرهما مما يقع فيهما من الأمور التي من جملتها ما ذكر من إزجاء السحاب وما ترتب عليه وكأن الجملة على هذا استئناف بيان الحكمة فيما مر وعلى الأولين استئناف لبيان أنه عز وجل لا يتعاصاه ما تقدم من الإزجاء وما بعده وقيل هي معطوفة على ما تقدم داخلة في حيز الرؤية وأسقط حرف لقصد التعداد وهو كما ترى إن في ذلك إشارة إلى ما فضل آنفا وما فيه من معنى البعد مع قرب المشار إليه للإيذان بعلو رتبته وبعد منزلته لعبرة لدلالة واضحة على وجود الصانع القديم ووحدته وكمال قدرته وإحاطة علمه بجميع الأشياء ونفاذ مشيئته وتنزهه عما لا يليق بشأنه العلي ودلالة ذلك على الوحدة بواسطة برهان التمانع وإلا ففيه خفاء بخلاف دلالته على ما عدا ذلك فإنها واضحة لأولي الأبصار
44
لكل من له بصيرة يراجعها ويعملها فالأبصار هنا جمع بصر بمعنى البصيرة بخلافها فيما سبق وقيل هو بمعنى البصر الظاهر كما هو المتبادر منه والتعبير بذلك دون البصائر للإيذان بوضوح الدلالة وتعقب بأنه عليه ذهاب حسن التجنيس وارتكاب ما هو كالإيطاء واشتهر أنه ليس في القرآن جناس تام غير ما في قوله تعالى ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة وفيه كلام نقله السيوطي في الإتقان ناشيء عند من دقق النظر من عدم الإتقان واستنبط شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني موضعا آخر وهو هذه الآية الكريمة وهو لا يتم إلا على ما قلنا وأشار إليه البيضاوي وغيره ولعل من اختار المتبادر راعي أن حسن تلك الإشارة فوق حسن التجنيس فتأمل والله خلق كل دابة أي كل حيوان يدب على الأرض وأدخلوا في ذلك الطير والسمك وظاهر كلام بعض أئمة التفسير أن الملائكة والجن قيل في قوله تعالى ألم تر أن الله يزجي سحابا إلى آخره أنه إشارة إلى جمع العناصر الأربعة وتركيب الأسنان منها ثم خروج مطر الإحساس من عينيه وأذنيه مثلا وينزل من سماء العقل الفياض برد حقائق العلوم فيصيب به من يشاء فتظهر عليه آثار ويصرفه عمن يشاء حسبما تقتضيه الحكمة الإلهية يكاد سنا برقه نور تجليه يذهب الأبصار بأن يعطلها عن الأبصار ويفني أصحابها عنها لما أن الإدراك بنوره فوق الإدراك بنور الأبصار

زاد المسير – ابن الجوزي ج6/ص52
قوله تعالى ألم تر أن الله يزجي سحابا أي يسوقه ثم يؤلف بينه أي يضم بعضه إلى بعض فيجعل القطع المتفرقة قطعة واحدة والسحاب لفظه لفظ الواحد ومعناه الجمع فلهذا قال يؤلف بينه ثم يجعله ركاما أي يجعل بعض السحاب فوق بعض فترى الودق وهو المطر قال الليث الودق المطر كله شديده وهينه
قوله تعالى من خلاله وقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومجاهد والضحاك من خلله والخلال جمع خلل مثل جبال وجبل وينزل من السماء مفعول الإنزال محذوف تقديره وينزل من السماء من جبال فيها من برد بردا فاستغنى عن ذكر المفعول للدلالة عليه ومن الأولى لابتداء الغاية لأن ابتداء الإنزال من السماء والثانية للتبعيض لأن الذي ينزله الله بعض تلك الجبال والثالثة لتبيين الجنس لأن جنس تلك الجبال جنس البرد قال المفسرون وهي جبال في السماء مخلوقة من برد وقال الزجاج معنى الكلام وينزل من السماء من جبال برد فيها كما تقول هذا خاتم في يدي من حديد المعنى هذا خاتم حديد في يدي
قوله تعالى فيصيب به أي البرد من يشاء فيضره في زرعه وثمره والسنا الضوء يذهب وقرأ مجاهد وأبو جعفر يذهب بضم الياء وكسر الهاء يقلب الله الليل والنهار أي يأتي بهذا ويذهب بهذا إن في ذلك التقلب لعبرة لأولي الأبصار أي دلالة لأهل البصائر والعقول على وحدانية الله وقدرته

فتح القدير – الشوكاني ج4/ص41
ألم تر أن الله يزجي سحابا الإزجاء السوق قليلا قليلا ومنه قول النابغة
إنى أتيتك من أهل ومن وطنى
أزجى حشاشة نفس ما بها رمق

وقوله أيضا أسرت عليه من الجوزاء سارية
يزجى السماك عليه جامد البرد
والمعنى أنه سبحانه يسوق السحاب سوقا رقيقا إلى حيث يشاء ثم يؤلف بينه أى بين أجزائه فيضم بعضه إلى بعض ويجمعه بعد تفرقه ليقوى ويتصل ويكثف والأصل في التأليف الهمز وقرأ ورش وقالون عن نافع يولف بالواو تخفيفا والسحاب واحد في اللفظ ولكن معناه جمع ولهذا دخلت بين عليه لأن أجزاءه في حكم المفردات له قال الفراء إن الضمير في بينه راجع إلى جملة السحاب كما تقول الشجر قد جلست بينه لأنه جمع وأفرد الضمير باعتبار اللفظ ثم يجعله ركاما أى متراكما يركب بعضه بعضا والركم جمع الشىء يقال ركم الشيء يركمه ركما أى جمعه وألقى بعضه على بعض وارتكم الشىء وتراكم إذا اجتمع والركمة الطين المجموع والركام الرمل المتراكب فترى الودق يخرج من خلاله الودق المطر عند جمهور المفسرين ومنه قوله الشاعر
فلا مزنة ودقت ودقها
ولا أرض أبقل إبقالها
وقال امرؤ القيس
فدفهما ودق وسح وديمة
وسكب وتوكاف وتهملان
يقال ودقت السحاب فهى وادقة وودق المطر يدق أى قطر يقطر وقيل إن الودق البرق ومنه قول الشاعر أثرن عجاجة وخرجن منها
خروج الودق من خلل السحاب
والأول أولى ومعنى من خلاله من فتوقه التى هى مخارج القطر وجملة يخرج من خلاله فى محل نصب على الحال لأن الرؤية هنا هى البصرية وقرأ ابن عباس وابن مسعود والضحاك وأبو العالية من خلله على الإفراد وقد وقع الخلاف في خلال هل هو مفرد كحجاب أو جمع كجبال وينزل من السماء من جبال فيها من برد المراد بقوله من سماء من عال لأن السماء قد تطلق على جهة العلو ومعنى من جبال من قطع عظام تشبه الجبال ولفظ فيها في محل نصب على الحال ومن في من برد للتبعيض وهو مفعول ينزل وقيل إن المفعول محذوف والتقدير ينزل من جبال فيها من برد بردا وقيل إن من فى من برد زائدة والتقدير ينزل من السماء من جبال فيها برد وقيل إن فى الكلام مضافا محذوفا أى ينزل من السماء قدر جبال أو مثل جبال من برد إلى الأرض قال الأخفش إن من في من جبال وفي من برد زائدة في الموضعين والجبال والبرد في موضع
نصب أى ينزل من السماء بردا يكون كالجبال والحاصل أن من فى من السماء لابتداء الغاية بلا خلاف ومن في من جبال فيها ثلاثة أوجه الأول لابتداء الغاية فتكون هى ومجرورها بدلا من الأولى بإعادة الخافض بدل اشتمال الثانى أنها للتبعيض فتكون على هذا هى ومجرورها في محل نصب على أنها مفعول الإنزال كأنه قال وينزل بعض جبال الثالث أنها زائدة أي ينزل من السماء جبالا وأما من في من برد ففيها أربعة أوجه الثلاثة المتقدمة والرابع أنها لبيان الجنس فيكون التقدير على هذا الوجه وينزل من السماء بعض جبال التي هي البرد قال الزجاج معنى الآية وينزل من السماء من جبال برد فيها كما تقول هذا خاتم في يدى من حديد أى خاتم حديد في يدى لأنك إذا قلت هذا خاتم من حديد وخاتم حديد كان المعنى واحدا انتهى وعلى هذا يكون من برد في موضع جر صفة لجبال كما كان من حديد صفة لخاتم ويكون مفعول ينزل من جبال ويلزم من كون الجبال بردا أن يكون المنزل بردا وذكر أبو البقاء أن التقدير شيئا من جبال فحذف الموصوف واكتفى بالصفة فيصيب به من يشاء أى يصيب بما ينزل من البرد من يشاء أن يصيبه من عباده ويصرفه عن من يشاء منهم أو يصيب به مال من يشاء ويصرفه عن مال من يشاء وقد تقدم الكلام عن مثل هذا في البقرة يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار السنا الضوء أى يكاد ضوء البرق الذى في السحاب يذهب بالأبصار من شدة بريقه وزيادة لمعانه وهو كقوله يكاد البرق يخطف أبصارهم قال الشماخ
وما كادت إذا رفعت سناها
ليبصر ضوءها إلا البصير
وقال امرؤ القيس يضىء سناه أو مصابيح راهب
أهان السليط في الذبال المفتل
فالسنا بالقصر ضوء البرق وبالمد الرفعة كذا قال المبرد وغيره وقرأ طلحة بن مصرف ويحيى بن وثاب سناء برقه بالمد على المبالغة في شدة الضوء والصفاء فأطلق عليه اسم الرفعة والشرف وقرأ طلحة ويحيى أيضا بضم الباء من برقه وفتح الراء قال أحمد بن يحيى ثعلب وهى على هذه القراءة جمع برق وقال النحاس البرقة المقدار من البرق والبرقة الواحدة وقرأ الجحدرى وابن القعقاع يذهب بضم الياء وكسر الهاء من الإذهاب وقرأ الباقون سنا بالقصر وبرقه بفتح الباء وسكون الراء ويذهب بفتح الياء والهاء من الذهاب وخطأ قراءة الجحدرى وابن القعقاع الأخفش وأبو حاتم ومعنى ذهاب البرق بالأبصار خطفه إياها من شدة الإضاءة وزيادة البريق والباء في الأبصار على قراءة الجمهور للإلصاق وعلى قراءة غيرهم زائدة

معاني القرآن – النحاس ج4/ص543
وقوله جل وعز ألم تر أن الله يزجي سحابا
أي يسوقه ثم يؤلف بينه أي يجمع القطع المتفرقة حتى تتألف ثم يجعله ركاما أي بعضه فوق بعض فترى الودق يخرج من خلاله
الودق المطر يقال ودقت سرته تدق ودقا ودقة وكل خارج وادق كما قال فلا مزنة ودقت ودقها
ولا أرض أبقل إبقالها
وخلال جمع خلل يقال جبل وجبال
55 ثم قال جل وعز وينزل من السماء من جبال فيها من برد
قيل المعنى من جبال برد فيها كما تقول هذا خاتم في يدي من حديد أي هذا خاتم حديد في يدي
كما يقال جبال من طين وجبال طين
وقيل إن المعنى من مقدار جبال ثم حذف كما تقول عند فلان جبال مال
والأخفش يذهب إلى أن من فيهما زائدة أي جبالا فيها برد
قال وقال بعضهم الجبال من برد فيها في السماء وتجعل الإنزال منها وقوله جل وعز يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار
أي ضوء برقه وروى ربيعة بن أبيض عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال البرق مخاريق الملائكة
وقال عبد الله بن عمرو هو ما يكون من جبال البرد
حدثني محمد بن أحمد الكاتب قال حدثني عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن طلحة بن مصرف أنه قرأ يكاد سنا برقه
قال أحمد بن يحيى وهو جمع برقة
قال أبو جعفر البرقة المقدار من البرق والبرقة المرة الواحدة مثل غرفة وغرفة

One comment

أضف تعليقاً