هل كان البرق لا يرى

هل كان البرق لا يرى

 

يقول سبحانه وتعالي( وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مَاء فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24) (الروم)

هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِىءُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (12) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (13)

 

 

 

مختصر أقوال المفسرين في هذه الآية

 

ومن آياته يريكم البرق   والأصل أن يريكم فحذف أن وأرتفع الفعل وهو الشائع بعد الحذف في مثل ذلك وشذ بقاؤه منصوبا بعده فيكون أسما في صورة الفعل فيريكم بمعنى الرؤية وجوز فيه أن يكون مما حذف فيه أن , وقال الجامع الأصفهاني تقدير الآية ومن آياته آية يريكم البرق على أن   يريكم   صفة وحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه وفي الكشف لعل الأوجه أن يكون من آياته خبر مبتدأ محذوف أي من آياته ما يذكر أو ما يتلى عليكم ثم قيل   يريكم البرق   بيانا لذلك ثم قال وهذا أقل تكلفا من الكل وأنت تعلم أن الأوجه ما توافق الآية به نظائرها خوفا   أي من الصواعق   وطمعا   في المطر قاله الضحاك وقال قتادة خوفا للمسافر لأنه علامة المطر وهو يضره لعدم ما يكنه ولا نفع له فيه وطمعا للمقيم ، وقيل خوفا أن يكون خلبا وطمعا أن يكون ماطرا وقال إبن سلام خوفا من البرد أن يهلك الزرع وطمعا في المطر   وقيل إن ذلك لأن إرادتهم تستلزم رؤيتهم فالمفعولون فاعلون في المعنى فكأنه قيل لجعلكم رائين خوفا وطمعا

وانتصاب خوفا وطمعا على العلة   وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها   أي يحييها بالنبات بعد موتها باليباس   إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون   فإن من له نصيب من العقل يعلم أن ذلك اية يستدل بها على القدرة الباهرة

 

 

التفسير العلمي والإعجاز القرآني لهذه الآية

 

 

 

من آيات الله سبحانه وتعالى ان يرينا البرق خوفا وطمعاً، فالخوف هنا بالبرق وبضوئه اللامع وما يصحبه من رعد فلا نستطيع ان ننكر ما يحدثه البرق الشديد والرعد الهادر من رعب يتسلل الى قلوبنا، لا بل الى اشجع الشجعان وبالخصوص من يعرف ما تحدثه الصواعق النازلة من دمار وخراب وفى بعض الاحيان يكون البرق شديداً جداً ومخيفاً حتى ولو لم ينزل معه مطر، ولكن عرفنا لماذا خوفاً اما كيف طمعاً ؟ عرف الناس ان البرق هو علامة لنزول المطر والناس تطمع في نزول المطر فمن دونه لا حياة ولا زرع ولا خير، ولكن كيف يكون البرق علامة تجعلنا نطمع في نزول المطر فهذه ليست ظاهرة متلازمة، فليس كل المطر يسبقه برق وليس كل البرق بعده مطر او معه مطر فالبرق يتكون عندما تبدأ قطرات صغيرة مشحونة تتجمع بفعل التقليب السريع للرياح أو السقوط والتكاثف، وقد وضحنا ذلك سابقاً فان المساحة السطحية لكرة نتيجة عن اندماج عشرة كرات سيكون اقل بكثير من المساحة السطحية للعشر كرات قبل الاندماج مما يجعل الشحنة والتي تتجمع على سطح القطرات تكون ذات فولتيه عالية وقد تؤدى الي تفريغ الشحنات مع الارض او مع الجزء الذي يحمل شحنه مختلفة فيحدث البرق، أذن البرق هو بشارة لاحتمال نزول المطر فهو دلاله كافيه على أن عملية تكاثف تتم في هذه الغيمة ( ثم يولف بينه) وتجمع قطرات الماء التي ستكون المطر بعد ذلك من هذا يقول سبحانه وتعالي (يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا) .

، كما أن البرق والذي وجد أن له علاقة مباشرة بزيادة نسبة النيتروجين في التربة هو ما يدفعنا لأن نطمع بأن موسم الزراعة سيكون احسن عندما نرى البرق، أي أن الطمع ليس بنزول المطر فقط ولكن بزيادة الناتج بزيادة نيتروجين التربة.

وينزل سبحانه وتعالي المطر فترى الأرضي القفر الجرداء تنبت زرعاً وعشبا جميلاً يغير حال الدنيا، أنها عملية أحياء وهذه العملية لا يشعر بها على حقيقتها إلا البدوي في الصحراء الذي ستهتز أعماقه وهو يرى الخير قادم إليه في تلك العصور الغابرة، أما الآن فالذي يحس بقيمة ما يحدث من البرق والمطر هم العلماء فهم يعلمون ما ستكون نتيجة كرتنا الأرضية الجميلة في حالة ذهاب المطر أو قلته أو زيادته أو تغير توزيعه، أنهم يعلمون ان أرضنا ستموت والبيئة ستدمر فيما لو ذهب المطر، درس العلماء ذلك بتمعن وعرفوا كم فضل نزول المطر على بقاء الحياة على كرتنا الأرضية، ولا مجال هنا للتوسع ولكن في ابسط تعبير لولا المطر لزاد ثاني أوكسيد الكاربون في الجو، وخلال اعواماً قليلة سيصل إلي درجة تؤدى إلي ارتفاع شديد في درجة الحرارة ثم موت كل من على الأرض فتدمر البيئة تماماً ويستحيل الحياة على الأرض وهذا على افتراض اننا قمنا بتحلية ماء البحر للشرب, ولا يعلم كل ذلك إلا العلماء الذين يستعملون عقولهم بأقصى طاقتها والعلماء الذين يسهرون ليعرفوا ويعلموا ويعملوا .

والله سبحانه وتعالي جعل ضوء البرق مرئيا ومع هذا فقد وجد العلماء امكانية ان يكون البرق غير مرئي والسبب في ذلك هو ان البرق يحدث نتيجة تفريغ كهربائي غير مسيطر عليه وبفرق جهد بملايين الفولتات فارتفاع الحرارة والتأين العالي ستصدر ضوء فوق بنفسجي ولا يرى مع العلم ان الجزء النافع والذي يؤدي الى زيادة نيتروجين التربة هو غير مرئي ، معظم الضوء الغير مرئي يترشح على القطرات الصغيرة جدا للغيوم ولا يصلنا الا الضوء المرئي والقريب منه اي في نطاق الرؤية، فلو حللنا ضوء البرق الواصل الينا فإننا سنجده في نطاق مطابق تقريباً للضوء المرئي أي بين ( 300- 700 ) نانوميتر، ولكن شدته ليلا قد تؤدي الى العمى الوقتي المتسبب من وصول الإضاءة العالية فجأة الى العين كما وضحناه في فصل سابق، لم يخطر في بال المفسرين ان الضوء ممكن ان يكون غير مرئيا لذلك افترضوا وجود ان محذوفه أي اصل الكلام ومن آياته ان يريكم وما دفعهم لذلك هو نقص المعلومات فهنا الرؤية لضوء البرق هي الآية وليس مشاهدة البرق ، أي ان عملية الابصار للبرق هي الآية فلا نحتاج الى اضافة ان ليستوي المعنى وآخرين احالوه الى خوفا وطمعا (وقيل إن ذلك لأن إرادتهم تستلزم رؤيتهم فالمفعلون فاعلون في المعنى فكأنه قيل لجعلكم رائين خوفا وطمعا

وأعترض بأن الخوف والطمع ليسا غرضين للرؤية ولا داعيين لها بل يتبعانها فكيف يكونان علة على فرض الاكتفاء بمثل ذلك عند المشترطين ووجه بأنه ليس المراد بالرؤية مجرد وقوع البصر بل الرؤية القصدية بالتوجه والالتفات فهو مثل قعدت عن الحرب جبنا ولم يرتض ذلك أبو حيان أيضا ثم قال لو قيل على مذهب المشترطين أن التقدير يريكم البرق فترونه خوفا وطمعا فحذف العامل للدلالة عليه لكان إعرابا سائغا وقيل لعل الأظهر

قوله تعالى   ومن آياته يريكم البرق   لأن القيام لما كان غير متغير أخرج الفعل بأن العلم في الاستقبال وجعل مصدرا ليدل على الثبوت وإراءة البرق لما كانت من الأمور المتجددة جيء بلفظ المستقبل ولم يذكر معه ما يدل على المصدر) وهنا نرى ان بعض المفسرين اصر على ان يأخذ بضاهر المعنى أي ان الابصار هو الآية والله على كل شيء قدير.

 

اقوال المفسرين لمن يحب الاطلاع عليها

 

أضواء البيان – الشنقيطي ج2/ص237

هو الذى يريكم البرق خوفا وطمعا   ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي يرى خلقه البرق خوفا وطمعا قال قتادة خوفا للمسافر يخاف أذاه ومشقته وطمعا للمقيم يرجو بركته ومنفعته ويطمع في رزق الله وعن الحسن الخوف لأهل البحر والطمع لأهل البر وعن الضحاك الخوف من الصواعق والطمع في الغيث

وبين في موضع آخر أن إراءته خلقه البرق خوفا وطمعا من آياته جل وعلا الدالة على أنه المستحق لأن يعبد وحده لا شريك له وذلك في قوله   ومن ءايـاته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السمآء مآء

وفي سورة الفرقان وغير ذلك   ومن ءايـاته يريكم البرق خوفا وطمعا   قد قدمنا ما يوضحه من الآيات مع تفسير قوله   خوفا وطمعا   في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى   هو الذى يريكم البرق خوفا وطمعا   وسنحذف هنا بعض الإحالاث لكثرتها

 

التسهيل لعلوم التنزيل – الكلبى ج2/ص132

بالذنوب يريكم البرق خوفا وطمعا الخوف يكون مع البرق من الصواعق والأمور الهائلة والطمع في المطر الذي يكون معه السحاب الثقال وصفها بالثقل لأنها تحمل الماء ويسبح الرعد بحمده الرعد اسم ملك وصوته المسموع تسبيح وقد جاء في الأثر أن صوته زجر للسحاب فعلى هذا يكون تسبيحه غير ذلك

التفسير الكبير – الرازي ج25/ص99

لما ذكر العرضيات التي للأنفس اللازمة والمفارقة ذكر العرضيات التي للآفاق وقال يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء وفي الآية مسائل

المسألة الأولى لما قدم دلائل الأنفس ههنا قدم العرضيات التي للأنفس وأخر العرضيات التي للآفاق كما أخر دلائل الآفاق بقوله ومن ءايـاته خلق السمـاوات والارض الروم 22

المسألة الثانية قدم لوازم الأنفس على العوارض المفارقة حيث ذكر أولا اختلاف الألسنة والألوان ثم المنام والابتغاء وقدم في الآفاق العوارض المفارقة على اللوازم حيث قال يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل وذلك لأن الإنسان متغير الحال والعوارض له غير بعيدة وأما اللوازم فيه فقريبة وأما السموات والأرض فقليلة التغير فالعوارض فيها أغرب من اللوازم فقدم ما هو أعجب لكونه أدخل في كونه آية ونزيده بيانا فنقول الإنسان يتغير حاله بالكبر والصغر والصحة والسقم وله صوت يعرف به لا يتغير وله لون يتميز عن غيره وهو يتغير في الأحوال وذلك لا يتغير وهو آية عجيبة والسماء والأرض ثابتان لا يتغيران ثم يرى في بعض الأحوال أمطار هاطلة وبروق هائلة والسماء كما كانت والأرض كذلك فهو آية دالة على فاعل مختار يديم أمرا مع تغير المحل ويزيل أمرا مع ثبات المحل

المسألة الثالثة كما قدم السماء على الأرض قدم ما هو من السماء وهو البرق والمطر على ما هو من الأرض وهو الإنبات والإحياء

المسألة الرابعة كما أن في إنزال المطر وإنبات الشجر منافع كذلك في تقدم البرق والرعد على المطر منفعة وذلك لأن البرق إذا لاح فالذي لا يكون تحت كن يخاف الابتلال فيستعد له والذي له صهريج أو مصنع يحتاج إلى الماء أو زرع يسوي مجاري الماء وأيضا العرب من أهل البوادي فلا يعلمون البلاد المعشبة إن لم يكونوا قد رأوا البروق اللائحة من جانب دون جانب واعلم أن فوائد البرق وإن لم تظهر للمقيمين بالبلاد فهي ظاهرة للبادين ولهذا جعل تقديم البرق على تنزيل الماء من السماء نعمة وآية وأما كونه آية فظاهر فإن في السحاب ليس إلا ماء وهواء وخروج النار منها بحيث تحرق الجبال في غاية البعد فلا بد له من خالق هو الله قالت الفلاسفة السحاب فيه كثافة ولطافة بالنسبة إلى الهواء والماء فالهواء ألطف منه والماء أكثف فإذا هبت ريح قوية تخرق السحاب بعنف فيحدث صوت الرعد ويخرج منه النار كمساس جسم جسما بعنف وهذا كما أن النار تخرج من وقوع الحجر على الحديد فإن قال قائل الحجر والحديد جسمان صلبان والسحاب والريح جسمان رطبان فيقولون لكن حركة يد الإنسان ضعيفة وحركة الريح قوية تقلع الأشجار فنقول لهم البرق والرعد أمران حادثان لا بد لهما من سبب وقد علم بالبرهان كون كل حادث من الله فهما من الله ثم إنا نقول هب أن الأمر كما تقولون فهبوب تلك الريح القوية من الأمور الحادثة العجيبة لا بد من سبب وينتهي إلى واجب الوجود فهو آية للعاقل على قدرة الله كيفما فرضتم ذلك

المسألة الخامسة قال ههنا لقوم يعقلون لما كان حدوث الولد من الوالد أمرا عاديا مطردا قليل الاختلاف كان يتطرق إلى الأوهام العامية أن ذلك بالطبيعة لأن المطرد أقرب إلى الطبيعة من المختلف لكن البرق والمطر ليس أمرا مطردا غير متخلف إذ يقع ببلدة دون بلدة وفي وقت دون وقت وتارة تكون قوية وتارة تكون ضعيفة فهو أظهر في العقل دلالة على الفاعل المختار فقال هو آية لمن له عقل إن لم يتفكر تفكرا تاما

 

 

الكشاف – الزمخشري ج3/ص480

في يريكم وجهان إضماران وإنزال الفعل منزلة المصدر وبهما فسر المثل تسمع بالمعيدي خير من أن تراه وقول القائل   وقالوا ما تشاء فقلت ألهو

إلى الإصباح آثر ذي أثير  

خوفا من الصاعقة أو من الإخلاف وطمعا في الغيث وقيل خوفا للمسافر وطمعا للحاضر وهما منصوبان على المفعول له فإن قلت من حق المفعول له أن يكون فعلا لفاعل الفعل المعلل والخوف والطمع ليسا كذلك قلت فيه وجهان أحدهما أن المفعولين فاعلون في المعنى لأنهم راءون فكأنه قيل يجعلكم رائين البرق خوفا وطمعا والثاني أن يكون على تقدير حذف المضاف أي إرادة خوف وإرادة طمع فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ويجوز أن يكون حالين أي خائفين وطامعين وقرىء ينزل بالتشديد ):

 

تفسير أبي السعود ج7/ص57

ومن آياته يريكم البرق   الفعل اما مقدر بأن كما في قول من قال الا ابهذا الزاجري احضر الوغي أي ان احضر او منزل منزلة المصدروبه فسر المثل المشهور تسمع بالمعيدي خير من ان تراه او هو على حاله صفة لمحذوف أي آية يريكم بها البرق كقول من قال وما الدهر الا نارتان فمنها اموت واخرى ابتغي العيش اكدح

أي فمنهما تارة اموت فيها واخرى ابتغي فيها او ومن آياته شيء او سحاب يريكم البرق خوفا من الصاعقة او للمسافر   وطمعا   في الغيث او للمقيم ونصبهما على العلة لفعل يستلزمه المذكور فإن اراءتهم البرق مستلزمة لرؤيتهم اياه او للمذكور نفسه على تقدير مضاف نحو اراءة خوف وطمع او على تأويل الخوف والطمع بالاخافة والاطماع كقولك فعلنه رغما للشيطان او على الحال نحو كلمته شفاها   وينزل من السماء ماء   وقرىء بالتخفيف   فيحيي به الأرض   بالنبات   بعد موتها   يبسها   إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون   فإنها من الظهور بحيث يكفي في ادراكها مجرد العقل عند استعماله في استنباط اسبابها وكيفية تكونها

 

تفسير البغوي ج3/ص481

ومن آياته يريكم البرق خوفا   للمسافر من الصواعق   وطمعا   للمقيم في المطر   وينزل من السماء ماء فيحي به   يعني بالمطر   والأرض بعد موتها   أي بعد يبسها وجدوبتها   إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون  

 

تفسير البيضاوي ج4/ص333

ومن آياته يريكم البرق   مقدر بأن المصدرية كقوله < إلا ايهذا الزاجري احضر الوغى وأن اشهد اللذات هل أنت مخلدي > أو الفعل فيه منزلة المصدر كقولهم تسمع بالمعيدي خير م أن تراه أو صفة لمحذوف تقديره آية يريكم بها البرق كقوله < فما الدهر إلا تارتان فمنهما أموت وأخرى ابتغي العيش اكدح >   خوفا   من الصاعقة للمسافر   وطمعا   في الغيث للمقيم ونصبهما على العلة لفعل يلزم المذكور فإن اراءتهم تستلزم رؤيتهم أو له على تقدير مضاف نحو إرادة خوف وطمع أو تأويل الخوف والطمع بالاخافة والاطماع كقولك فعلته رغما للشيطان أو على الحال مثل كلمته شفاها   وينزل من السماء ماء   وقرئ بالتشديد   فيحيي به الأرض   بالنبات   بعد موتها   يبسها   إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون   يستعملون عقولهم في استنباط اسبابها وكيفية تكونها ليظهر لهم كمال قدرة الصانع وحكمته

تفسير السعدي ج1/ص640

أي ومن آياته أن ينزل عليكم المطر الذي تحيا به البلاد والعبادة ويريكم قبل نزوله مقدماته من الرعد والبرق الذي يخاف ويطمع فيه   إن في ذلك لآيات   دالة على عموم إحسانه وسعة علمه وكمال إتقانه وعظيم حكمته وأنه يحيي الموتى كما أحيا الأرض بعد موتها   لقوم يعقلون   أي لهم عقول تعقل بها ما تسمعه وتراه وتحفظه وتستدل به على ما جعل دليلا عليه

 

تفسير السمرقندي ج3/ص9

قوله عز وجل ومن آياته يريكم البرق خوفا من الصواعق إذا كنتم بأرض قفر وطمعا للمطر

خوفا وطمعا منصوبان على المفعول له المعنى يريكم للخوف والطمع خوفا للمسافر وطمعا للمقيم

وينزل من السماء ماء يعني المطر فيحيي به الأرض بالنبات بعد موتها إن في ذلك لآيات أي لعلامات يقوم يعقلون عن الله عز وجل فيوحدونه

قوله عز وجل ومن آياته أن تقوم الساعة بأمره يعني تقوم السماء فوق رؤوسكم بغير عمد لا يناله شيء وتقوم الأرض على الماء تحت أقدامكم بأمره أي بقدرته ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض يعني إسرافيل عليه السلام يدعوكم على صخرة بيت المقدس في الصور دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون وقال بعضهم في الآية تقديم ومعناه ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض يعني من قبوركم فإذا أنتم تخرجون قرأ حمزة والكسائي تخرجون بنصب التاء وضم الراء وقرأ الباقون بضم التاء ونصب الراء

تفسير السمعاني ج4/ص205

قوله تعالى   ومن آياته يريكم البرق معناه من آياته أنه يريكم البرق وقد بينا وجه القول في البرق وعن بعضهم قال إذا أبرقت السماء أربعين برقة فلا يخلفه أي لا يتأخر المطر قال الشاعر

لا يكن برقا كبرق خلباإن خير البرق ما الغيث معه

وقوله   خوفا وطمعا أي خوفا للمسافر وطمعا للحاضر ويقال خوفا من الصواعق وطمعا في الغيث

وقوله   وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ظاهر المعنى

 

تفسير القرطبي ج14/ص18

ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا   قيل المعنى أن يريكم فحذف أن لدلالة الكلام عليه قال طرفة ألا أيهذا اللائمي أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي وقيل هو على التقديم والتأخير أي ويريكم البرق من آياته وقيل أي ومن آياته آية يريكم بها البرق كما قال الشاعر وما الدهر إلا تارتان فمنهما أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح وقيل أي من آياته أنه يريكم البرق خوفا وطمعا من آياته قاله الزجاج فيكون عطف جملة على جملة   خوفا   أي للمسافر   وطمعا   للمقيم قاله قتادة الضحاك خوفا من الصواعق وطمعا في الغيث يحيى بن سلام خوفا من البرد أن يهلك الزرع وطمعا في المطر أن يحيي الزرع بن بحر خوفا أن يكون البرق برقا خلبا لا يمطر وطمعا أن يكون ممطرا وأنشد قول الشاعر لا يكن برقك برقا خلبا إن خير البرق ما الغيث معه وقال آخر فقد أرد المياه بغير زاد سوى عدي لها برق الغمام والبرق الخلب الذي لا غيث فيه كأنه خادع ومنه قيل لمن يعد ولا ينجز إنما أنت كبرق خلب والخلب أيضا السحاب الذي لا مطر فيه ويقال برق خلب بالإضافة   وينزل من السماء ماء فيحيي الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون   تقدم  

 

تفسير النسفي ج3/ص271

ومن آياته يريكم البرق   فى يريكم وجهان اضمار ان كما فى حرف ابن مسعود رضى الله عنه وانزال الفعل منزلة المصدر وبهما فسر المثل تسمع بالمعيدى خير من ان تراه أى ان تسمع أو سماعك   خوفا   من الصاعقة او من الاخلاف   وطمعا   فى الغيث أو خوفا للمسافر وطمعا للحاضر وهما منصوبان على المفعول له على تقدير حذف المضاف إليه مقامه أى إرادة خوف وإرادة طمع أو على الحال أى خائفين وطامعين   وينزل من السماء   وبالخفيف مكى وبصرى   ماء   مطرا   فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون   يتفكرون بعقولهم

 

تفسير الواحدي ج2/ص841

ومن آياته يريكم البرق خوفا   للمسافر   وطمعا   للحاضر وقوله 25

 

روح المعاني – الألوسي ج21/ص32

ومن آياته يريكم البرق   ذهب أبو علي إلى أنه بتقدير أن المصدرية والأصل أن يريكم فحذف أن وأرتفع الفعل وهو الشائع بعد الحذف في مثل ذلك وشذ بقاؤه منصوبا بعده وقد روى بالوجهين قول طرفة ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي وجوز كونه مما نزل فيه الفعل منزلة المصدر فلا نقدر أن بل الفعل مستعمل في جزء معناه وهو الحدث مقطوع فيه النظر عن الزمان فيكون أسما في صورة الفعل فيريكم بمعنى الرؤية وحمل على ذلك في المشهور قولهم تسمع بالمعيدي خير من أن تراه وجوز فيه أن يكون مما حذف فيه أن وأيد بأنه روى فيه تسمع بالنصب أيضا ولم يرتضه بعض الأجلة لأن المعنى ليس على الإستقبال وأما أن تراه فالإستقبال فيه بالنسبة إلى السماع فلا ينافيه ومثله قوله فقالوا ما تشاء فقلت الهو إلى الأصباح آر ذي أثير ورجح الحمل على التنزيل منزلة اللازم دلالة على أنه كالحال إهتماما بشأن المراد لقوله آثر ذي أثير والتعليل بأن ما تشاء سؤال عما يشاؤه في الحال وأن للإستقبال ليس بالوجه لأن المشيئة تتعلق بالمستقبل أبدا وقال الجامع الأصفهاني تقدير الآية ومن آياته آية يريكم البرق على أن   يريكم   صفة وحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه كما في قوله وما الدر إلا تارتان فمنهما أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح أي فمنهما تارة أموت قيل فلا بد من راجع فقدر فيها أو بها ونص على الثاني الرماني كما في البحر وكلاهما لا يسدكما في الكشف عليه المعنى وقيل التقدير ومن آياته البرق ثم أستؤنف يريكم البرق وقيل   من آياته   حال من البرق أي يريكم البرق حال كونه من آياته وجوز أبو حيان تعلقه بيريكم و   من   لإبتداء الغاية وفيه مخالفة لنظرائه

وفي الكشف لعل الأوجه أن يكون من آياته خبر مبتدأ محذوف أي من آياته ما يذكر أو ما يتلى عليكم ثم قيل   يريكم البرق   بيانا لذلك ثم قال وهذا أقل تكلفا من الكل وأنت تعلم أن الأوجه ما توافق الآية به نظائرها

خوفا   أي من الصواعق   وطمعا   في المطر قاله الضحاك وقال قتادة خوفا للمسافر لأنه علامة المطر وهو يضره لعدم ما يكنه ولا نفع له فيه وطمعا للمقيم وقيل خوفا أن يكون خلبا وطمعا أن يكون ماطرا وقال إبن سلام خوفا من البرد أن يهلك الزرع وطمعا في المطر ونصبهما على العلة عند الزجاج وهو على مذهب من لا يشترط في نصب المفعول له إتحاد المصدر والفعل المعلل في الفاعل ظاهر وأما على مذهب الأكثرين المشترطين لذلك فقيل في توجيهه إن ذلك على تقدير مضاف أي إرادة خوف وطمع أو على تأويل الخوف والطمع بالإخافة والإطماع إما بأن يجعل أصلهما ذلك على حذف الزوائد أو بأن يجعلا مجازين عن سببيهما

وقيل إن ذلك لأن إرادتهم تستلزم رؤيتهم فالمفعولون فاعلون في المعنى فكأنه قيل لجعلكم رائين خوفا وطمعا

وأعترض بأن الخوف والطمع ليسا غرضين للرؤية ولا داعيين لها بل يتبعانها فكيف يكونان علة على فرض الأكتفاء بمثل ذلك عند المشترطين ووجه بأنه ليس المراد بالرؤية مجرد وقوع البصر بل الرؤية القصدية بالتوجه والإلتفات فهو مثل قعدت عن الحرب جبنا ولم يرتض ذلك أبو حيان أيضا ثم قال لو قيل على مذهب المشترطين أن التقدير يريكم البرق فترونه خوفا وطمعا فحذف العامل للدلالة عليه لكان إعرابا سائغا وقيل لعل الأظهر

قوله تعالى   ومن آياته يريكم البرق   لأن القيام لما كان غير متغير أخرج الفعل بأن العلم في الإستقبال وجعل مصدرا ليدل على الثبوت وإراءة البرق لما كانت من الأمور المتجددة جيء بلفظ المستقبل ولم يذكر معه ما يدل على المصدر

 

زاد المسير – ابن الجوزي ج6/ص296

ومن آياته يريكم البرق   قال اللغويون إنما حذف أن لدلالة الكلامة عليه وأنشدوا وما الدهر إلا تارتان فتارة أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح

ومعناه فتارة أموت فيها وقال طرفة

ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغي وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي

أراد أن أحضر وقد شرحنا معنى الخوف والطمع في رؤية البرق في سورة الرعد

 

فتح القدير – الشوكاني ج4/ص220

ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا   المعنى أن يريكم فحذف أن لدلالة الكلام عليه كما قال طرفه ألا أيهذا اللائمي أحضر الوغى

وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدى

والتقدير أن أحضر فلما حذف الحرف في الاية والبيت بطل عمله ومنه المثل المشهور تسمع بالمعيدي خير من أن تراه وقيل هو على التقديم والتأخير أي ويريكم البرق من اياته فيكون من عطف جملة فعليه على جملة اسمية ويجوز أن يكون يريكم صفة لموصوف محذوف أي ومن اياته اية يريكم بها وفيها البرق وقيل التقدير ومن اياته يريكم البرق خوفا وطمعا من اياته قال الزجاج فيكون من عطف جملة على جملة قال قتادة خوفا للمسافر وطمعا للمقيم وقال الضحاك خوفا من الصواعق وطمعا في الغيث وقال يحيى بن سلام خوفا من البرد أن يهلك الزرع وطمعا في المطر أن يحيى الزرع وقال ابن بحر خوفا أن يكون البرق برقا خلبا لا يمطر وطمعا أن يكون ممطرا وأنشد لا يكن برقك برقا خلبا

إن خير البرق ما الغيث معه

وانتصاب خوفا وطمعا على العلة   وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها   أي يحييها بالنبات بعد موتها باليباس   إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون   فإن من له نصيب من العقل يعلم أن ذلك اية يستدل بها على القدرة الباهرة

 

معاني القرآن – النحاس ج5/ص253

ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا   آية 24

والمعنى ويريكم البرق من آياته وعطفت جملة على جملة

ويجوز أن يكون المعنى ومن آياته آية يريكم بها البرق كما قال الشاعر وما الدهر إلا تارتان فمنهما

أموت وأخرىأبتغي العيش أكدح

والخوف للمسافر والطمع للمقيم وقوله جل وعز

 

أضف تعليقاً