كانت شمسين وبقيت واحدة

كانت شمسين وبقيت واحدة

يقول سبحانه وتعالى( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً (12) (الإسراء)

 

مختصر أقوال المفسرين في هذه الآية

يراد أن الليل والنهار آيتان في أنفسهما ومحو آية الليل على هذا كونه مظلما والوجه الثاني أن يراد بآية الليل القمر وآية النهار الشمس ومحو آية الليل على هذا كون القمر لم يجعل له ضوء كضوء الشمس ومعنى مبصرة تبصر فيها الأشياء ,لتبتغوا فضلا من ربكم أي لتتوصلوا بضوء النهار إلى التصرف في معايشكم أن يكون المراد من الآيتين نفس الليل والنهار آية الليل وهي القمر المراد منه ما يظهر في القمر من الزيادة والنقصان في النور فيبدو في أول الأمر في صورة الهلال ثم لا يزال يتزايد نوره حتى يصير بدرا كاملا ثم يأخذ في الانتقاص قليلا قليلا وذلك هو المحو إلى أن يعود إلى المحاق او المراد من محو القمر الكلف الذي يظهر في وجهه يروى أن الشمس والقمر كانا سواء في النور والضوء فأرسل الله جبريل عليه الصلاة والسلام فأمر جناحه على وجه القمر فطمس عنه الضوء وأخرج البيهقي في دلائل النبوة وابن عساكر عن سعيد المقبري أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السواد الذي في القمر فقال كانا شمسين فمحونا آية الليل قال هو السواد بالليل
فمحونا آية الليل أي جعلنا الليل ممحو الضوء مطموسة مظلما لا يستبان فيه شيء عن بن عباس وجعلنا الليل والنهار آيتين قال ليلا ونهارا كذلك خلقهما الله عز وجل فمحونا آية الليل طمسنا نورها بالظلام لتسكنوا فيه وقال محمد بن كعب القرظي كانت شمس بالليل وشمس بالنهار فمحيت شمس الليل

التفسير العلمي والإعجاز القرآني لهذه الآية

يقول سبحانه وتعالى وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً (12) (الإسراء)

 

 

 

في مجموعتنا الشمسية , النجوم لها احجام وكتل مختلفة , فمنها ما هو عظيم الحجم والكتلة , ومنها ما هو عظيم الحجم متوسط الكتلة ومنها ما هو صغير الحجم والكتلة .  وهناك كتلة محددة اذا تجاوزها النجم فانه سيكون الضغط والحرارة داخله كافية للتحول الذري فيكون ملتهبا متوهجا كما في شمسنا وقد تتحول شمسنا الى عملاق احمر عند زيادة حجمها وانخفاض كتلتها , ولكن لو قلت كتلتها كثيرا فإنها ستتحول الى كتلة باردة ككوكب المشتري() .

هناك في مجرتنا العديد من النجوم التوائم , أي نجمين يطوفان في مدار بمسافة ليست كبيرة (المسافة بين شمسنا واقرب نجم لا تقاس بالكيلومترات بل  بالسنوات الضوئية اي ملايين ملايين الكيلومترات), ونراهما كأنهما يتسابقان , وهناك توائم شوهدت وهي تطوف حول كوكب صغير كأرضنا , ومنها ما بدا ان احد النجمين يسرع وفي النهاية دخل النجم الى الآخر والتحما ليكونا نجما واحد يساوي مجموع كتلتيهما .

في حالة التوائم الذي يحتوي بين النجمين كوكبا فان هذا الكوكب سيكون في وسط المسافة اذا تساوت كتلتي النجمين , وبالتالي سيكون له على طرفيه نهارا , اذ كان حجم النجمين كافيا للإضاءة  او على طرفيه ظلاما اذا كانت هذه النجوم كتلتها اقل من المطلوب للإضاءة , ولا تكاد الشمس تغيب حتى تشرق الاخرى .

فلو تصورنا ان الارض أي كوكبنا الذي نعيش عليه قبل خمسة بلايين سنة كان بين نجمين صغيرين ,وكان يبعد عن كل نجم بمسافة 130,000,000 كم ( معدل المسافة بين الارض وشمسنا 149,600,000 كم والمسافة بين الارض والمريخ (110,000,000 كم تقريبا) أي نعتبر ان النجم الثاني (الشمس الثانية) قريبا من المريخ او ان المريخ من بقاياه , وكل نجم بحجم وكتلة نصف الشمس الحالية وان هناك من يعيش على الارض, فان اهل الارض (افتراضا) سيكونون بظلام دامس ليلا ونهارا ولا ضوء لهم الا ضوء النجوم البعيدة , وسوف لن يستطيعوا معرفة السنة , اما اليوم فيمكن حسابه لدورة الارض حول نفسها , وكذلك الشهر لان الارض لها قمر يدل على الشهر , فسنفقد عدد السنين وحسابها فقط حيث ان السنة هي دورة الارض حول الشمس وهذه في حالتنا غير موجودة.

كما بينا فان بعض التوائم يتسارع فيها احد النجمين ويقترب تدريجيا بالنجم الآخر حتى يلتحما ويندمجا  بنجم واحد وهذا ما حدث قبل خمسة مليارات سنة وتكونت شمسنا بمجموع حجم النجمين التوائم وبدئت بالاتقاد لان الكتلة الجديدة كافية لتكون نجما متقدا, وهنا فان الجهة المقابلة للشمس هي المسماة  (النهار) والجهة الثانية هي المسماة (الليل), وستكون الشمس هي آية النهار مبصرة , بينما آية الليل تكون قد محيت (وهذا باعتبار ان الليل والنهار ضرف مكاني وليس زماني , وهذا الاسم قبل ان يضاء النهار).

لنرجع الآن للآية

يوضح سبحانه وتعالى في هذه الآية ان النهار آية وهو الجزء المقابل من الارض للشمس الحالية ,والليل آية وهو جزء الارض المعاكس للشمس والذى لاتصل اليه نور الشمس لذلك فان النهار اصبح مضاء بالشمس والليل مظلما حيث لا يوجد في الجهة الثانية ما يضيئه,(والارض تحجبه عن الشمس) ووضح سبحانه وتعالى ان لليل آية وللنهار آية ,ولكن لو كان مع شمسنا تؤام (وهذا موجود كثيرا في الكون كما وضحنا) ,حيث يكون هناك شمسان تطوف كل واحدة حول الاخرى وكانت الارض بينهما ,ولكن الله محى اية الليل وابقى اية النهار مبصرة, وهنا لا يمكن ان يكون القمر هو آية الليل كما يذكره بعض المفسرين , حيث ان القمر يمكن ان يكون موجود نهارا وهناك ليالي من غير قمر, كما ان البقع في القمر ليس هي ما امحي من اية الليل لنفس السبب , أي ان القمر ياتي ليلا ونهارا , اضافة الى اننا نعرف ما هي هذه البقع والكلف الذي في القمر , فهو ليس محوا. والإنسان وكما عرفنا في كتب الفسلجة,  له عين يمكن ان تبصر وتقرأ كتابة بمستوى الكتابة التي في الجرائد وعلى نصف قمر في الليل (اقل من بدر), فلو رجعنا الى الصورة المرفقة (عن كتاب كانونك للفسلجة)

1

, فان ضوء القمر يعطى قوة من 1/100 الى 1/10من الملي لامبرتيز ويقع ذلك ضمن المنطقة الانتقالية التي يكون فيها القراءة ممكنة وقريبة من الاضاءة المريحة , اذا القمر مبصرا كما في الشمس بالرغم من ان قوة انارة الشمس تزيد  مليون مره عن القمر اي لا يمكن ان يكون آية الليل هي القمر لانه مبصر كذلك (اي يمكن الابصار به ) وهذا مخالف للمعنى المستقى من نص الآية فعندما جعل الله آية النهار مبصرة يعني ان آية الليل غير مبصرة , وهذا معلوم من السياق ، فلابد ان تكون هناك آية في الليل وهذه الآية محاها سبحانه وتعالى بقدره ولم يبقى لها اثرا , او اثرها لا قيمة له , أي قد تكون في اول مراحل تكون مجموعتنا الشمسية من اكثر من خمسة بلايين سنة وفي ذلك الوقت السحيق ذهبت هذه الآية ودليلنا الوحيد عليها هو قوله سبحانه وتعالى هذا ،ولكن قد يتقدم العلم ويكتشف هذه الحقيقة, (ونحن نقدمها هنا كفرضية علمية مستقاة من القرآن) .

وبالتدقيق في كل كلمة نجد انه سبحانه وتعالى ذكر انه محى اية الليل وليس الليل فالليل لا يمحى لأنه حالة سلبية للضوء اذا اعتبرناه ظلاما وهو الجهة الثانية الغير مواجهة للشمس اذا اعتبرناه مكانا ، وكذلك لم يقل سبحانه وتعالى محونا ظلمة الليل او قال عدم الابصار في الليل لأن العلم اثبت عكس ذلك فالأبصار ممكن ليلا والانوار تضيئ الليالي في وقتنا هذا ، فكل كلمة لا بل لكل حرف معنى في مكانه , وهكذا  فعندما ضرب الله مثلا لعدم امكانية الرؤيا ليلا اظهرها بدقة كما رأينا سابقا في قوله تعالى ( فمثله كمثل الذى استوقد نارا ) (البحث موجود في قائمة الاعجاز العلمي في العين ) فكل كلمة من القرآن لها ميزانها العلمي الدقيق , كما ان الشمس كما يفهم من سياق النص انها لم تكن مضيئة اي حجمها لا يكفي لان تكون ملتهبة (وهذا ثابت علميا ) لذلك بعد ان محا اية الليل مباشرة اصبحت آية النهار مبصرة ( فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً) فالحجم والكتلة الجديدة للشمس الناتجة من التحام الشمسين جعلها كافية للالتهاب ولتكون مبصرة , والجعل هنا واضح بعد محو آية الليل

وهناك اثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم انه كان هناك شمسان أي توئم ولو حدث ذلك فان الارض ستدور حول نفسها ولا تدور حول الشمس ولن يكون هناك سنوات , وما سيبقى هو الايام والشهور على اعتبار ان القمر موجود , ولكن بليل ونهار مضيء او مظلم وسنفقد عدد السنين وحسابها قطعا ويبقى حساب الاشهر لأنه قد يبقى القمر ومن هذا يظهر لنا القرآن كم هو دقيق .

انظر يا اخي الى هذا الكتاب الكريم الذي انزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم في عصر بدائي متأخر وفي بيئة بدوية ساذجة الى حد البلادة ، يتحدى اقوى المعلومات في عصر الكمبيوتر والله اعلم

 

احدى الروابط يوضح النجوم الثناية او التوئم

 

https://nasainarabic.net/main/articles/view/discovery-intense-radio-emission-tiny

 

اقوال المفسرين لمن يحب الاطلاع عليها

التسهيل لعلوم التنزيل – الكلبى ج2/ص168
فمحونا آية الليل فيه وجهان أحدهما أن يراد أن الليل والنهار آيتان في أنفسهما فتكون الإضافة في آية الليل وآية النهار كقولك مسجد الجامع أي الآية التي هي الليل والآية التي هي النهار ومحو آية الليل على هذا كونه مظلما والوجه الثاني أن يراد بآية الليل القمر وآية النهار الشمس ومحو آية الليل على هذا كون القمر لم يجعل له ضوء كضوء الشمس وجعلنا آية النهار مبصرة يحتمل أن يريد النهار بنفسه أو الشمس ومعنى مبصرة تبصر فيها الأشياء لتبتغوا فضلا من ربكم أي لتتوصلوا بضوء النهار إلى التصرف في معايشكم ولتعلموا باختلاف الليل والنهار أو بمسير الشمس والقمر عدد السنين والحساب الأشهر والأيام وكل شيء فصلناه تفصيلا انتصب كل بفعل مضمر والتفصيل البيان

التفسير الكبير – الرازي ج20/ص131
في الآية مسائل
المسألة الأولى في تقرير النظم وجوه
الوجه الأول أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة ما أوصل إلى الخلق من نعم الدين وهو القرآن أتبعه ببيان ما أوصل إليهم من نعم الدنيا فقال وجعلنا اليل والنهار ءايتين وكما أن القرآن ممتزج من المحكم والمتشابه فكذلك الدهر مركب من النهار والليل فالمحكم كالنهار والمتشابه كالليل وكما أن المقصود من التكليف لا يتم إلا بذكر المحكم والمتشابه فكذلك الوقت والزمان لا يكمل الانتفاع به إلا بالنهار والليل
والوجه الثاني في تقرير النظم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم وذلك الأقوم ليس إلا ذكر الدلائل الدالة على التوحيد والنبوة لا جرم أردفه بذكر دلائل التوحيد وهو عجائب العالم العلوي والسفلي
الوجه الثالث أنه لما وصف الإنسان بكونه عجولا أي منتقلا من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة بين أن كل أحوال هذا العالم كذلك وهو الانتقال من النور إلى الظلمة وبالضد وانتقال نور القمر من الزيادة إلى النقصان وبالضد والله أعلم
المسألة الثانية في قوله وجعلنا اليل والنهار ءايتين قولان
القول الأول أن يكون المراد من الآيتين نفس الليل والنهار والمعنى أنه تعالى جعلهما دليلين للخلق على مصالح الدين والدنيا أما في الدين فلأن كل واحد منهما مضاد للآخر مغاير له مع كونهما متعاقبين على الدوام من أقوى الدلائل على أنهما غير موجودين لذاتهما بل لا بد لهما من فاعل يدبرهما ويقدرهما بالمقادير المخصوصة وأما في الدنيا فلأن مصالح الدنيا لا تتم إلا بالليل والنهار فلولا الليل لما حصل السكون والراحة ولولا النهار لما حصل الكسب والتصرف في وجوه المعاش
ثم قال تعالى فمحونا ءاية اليل وعلى هذا القول تكون الإضافة في آية الليل والنهار للتبيين والتقدير فمحونا الآية التي هي الليل وجعلنا الآية التي هي نفس النهار مبصرة ونظيره قولنا نفس الشيء والقمر فمحونا آية الليل وهي القمر وفي تفسير محو القمر قولان
القول الأول المراد منه ما يظهر في القمر من الزيادة والنقصان في النور فيبدو في أول الأمر في صورة الهلال ثم لا يزال يتزايد نوره حتى يصير بدرا كاملا ثم يأخذ في الانتقاص قليلا قليلا وذلك هو المحو إلى أن يعود إلى المحاق
والقول الثاني المراد من محو القمر الكلف الذي يظهر في وجهه يروى أن الشمس والقمر كانا سواء في النور والضوء فأرسل الله جبريل عليه الصلاة والسلام فأمر جناحه على وجه القمر فطمس عنه الضوء ومعنى المحو في اللغة إذهاب الأثر تقول محوته أمحوه وانمحى وامتحى إذا ذهب أثره وأقول حمل المحو في هذه الآية على الوجه الأول أولى وذلك لأن اللام في قوله لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب متعلق بما هو مذكور قبل وهو محو آية الليل وجعل آية النهار مبصرة ومحو آية الليل إنما يؤثر في ابتغاء فضل الله إذا حملنا المحو على زيادة نور القمر ونقصانه لأن سبب حصول هذه الحالة يختلف بأحوال نور القمر وأهل التجارب يبنوا أن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحه مثل أحوال البحار في المد والجزر ومثل أحوال التجربات على ما تذكره الأطباء في كتبهم وأيضا بسبب زيادة نور القمر ونقصانه يحصل الشهور وبسبب معاودة الشهور يحصل السنون العربية المبنية على رؤية الأهلة كما قال ولتعلموا عدد السنين والحساب فثبت أن حمل المحو على ما ذكرناه أولى وأقول أيضا لو حملنا المحو على الكلف الحاصل في وجه القمر فهو أيضا برهان عظيم قاهر على صحة قول المسلمين في المبدأ والمعاد أما دلالته على صحة قولهم في المبدأ فلأن جرم القمر جرم بسيط عند الفلاسفة فوجب أن يكون متشابه الصفات فحصول الأحوال المختلفة الحاصلة بسبب المحو يدل على أنه ليس بسبب الطبيعة بل لأجل أن الفاعل المختار خصص بعض أجزائه بالنور القوي وبعض أجزائه بالنور الضعيف وذلك يدل على أن مدبر العالم فاعل مختار لا موجب بالذت وأحسن ما ذكره الفلاسفة في الاعتذار عنه أنه ارتكز في وجه القمر أجسام قليلة الضوء مثل ارتكاز الكواكب في أجرام الأفلاك فلما كانت تلك الأجرام أقل ضوأ من جرم القمر لا جرم شوهدت تلك الأجرام في وجه القمر كالكلف في وجه الإنسان وهذا لا يفيد مقصود الخصم لأن جرم القمر لما كان متشابه الأجزاء فلم ارتكزت تلك الأجرام الظلمانية في بعض أجزاء القمر دون سائر الأجزاء وبمثل هذا الطريق يتمسك في أحوال الكواكب وذلك لأن الفلك جرم بسيط متشابه الأجزاء فلم لم يكن حصول جرم الكواكب في بعض جوانبه أولى من حصوله في سائر الجوانب وذلك يدل على أن اختصاص ذلك الكوكب بذلك الموضع المعين من الفلك لأجل تخصيص الفاعل المختار وكل هذه الدلائل إنما يراد من تقريرها وإيرادها التنبيه على أن المؤثر في العالم فاعل بالاختيار لا موجب بالذات والله أعلم
أما قوله وجعلنا اليل والنهار ءايتين ففيه وجهان الأول أن معنى كونها مبصرة أي مضيئة وذلك لأن الإضاءة سبب لحصول الإبصار فأطلق اسم الأبصار على الإضاءة إطلاقا لاسم المسبب على السبب والثاني قال أبو عبيدة يقال قد أبصر النهار إذا صار الناس يبصرون فيه كقوله رجل مخبث إذا كان أصحابه خبثاء ورجل مضعف إذا كانت ذراريه ضعافا فكذا قوله والنهار مبصرا أي أهله بصراء
واعلم أنه تعالى ذكر في آيات كثيرة منافع الليل والنهار قال وجعلنا اليل لباسا وجعلنا النهار معاشا النبأ 10 و 11 وقال أيضا جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله القصص 73
ثم قال تعالى ولتبتغوا فضلا من ربكم أي لتبصروا كيف تتصرفون في أعمالكم ولتعلموا عدد السنين والحساب
واعلم أن الحساب مبني على أربع مراتب الساعات والأيام والشهور والسنون فالعدد للسنين والحساب لما دون السنين وهي الشهور والأيام والساعات وبعد هذه المراتب الأربع لا يحصل إلا التكرار كما أنهم رتبوا العدد على أربع مراتب الآحاد والعشرات والمئات والألوف وليس بعدها إلا التكرار والله أعلم
ثم قال وكل شىء فصلناه تفصيلا والمعنى أنه تعالى لما ذكر أحوال آيتي الليل والنهار وهما من وجه دليلان قاطعان على التوحيد ومن وجه آخر نعمتان عظيمتان من الله تعالى على أهل الدنيا فلما شرح الله تعالى حالهما وفصل ما فيهما من وجوه الدلالة على الخالق ومن وجوه النعم العظيمة على الخلق كان ذلك تفصيلا نافعا وبيانا كاملا فلا جرم قال وكل شىء فصلناه تفصيلا أي كل شيء بكم إليه حاجة في مصالح دينكم ودنياكم فقد فصلناه وشرحناه وهو كقوله تعالى ما فرطنا فى الكتـاب من شىء الأنعام 38 وقوله ونزلنا عليك الكتـاب تبيانا لكل شىء النحل 89 وقوله تدمر كل شىء بأمر ربها الأحقاف 25 وإنما ذكر المصدر وهو قوله تفصيلا لأجل تأكيد الكلام وتقريره كأنه قال وفصلناه حقا وفصلناه على الوجه الذي لا مزيد عليه والله أعلم

الدر المنثور – السيوطي ج5/ص247
وأخرج البيهقي في دلائل النبوة وابن عساكر عن سعيد المقبري أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السواد الذي في القمر فقال كانا شمسين
فقال قال الله وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل فالسواد الذي رأيت من المحو
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن علي رضي الله عنه في قوله فمحونا آية الليل قال هو السواد الذي في القمر
وأخرج ابن مردويه عن علي رضي الله عنه في الآية
قال كان الليل والنهار سواء فمحا الله آية الليل فجعلها مظلمة وترك آية النهار كما هي
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله فمحونا آية الليل قال هو السواد بالليل

الكشاف – الزمخشري ج2/ص609
فيه وجهان أحدهما أن يراد أن الليل والنهار آيتان في أنفسهما فتكون الإضافة في آية الليل وآية النهار للتبيين كإضافة العدد إلى المعدود أي فمحونا الآية التي هي الليل وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة والثاني أن يراد وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين يريد الشمس والقمر فمحونا آية الليل أي جعلنا الليل ممحو الضوء مطموسه مظلما لا يستبان فيه شيء كما لا يستبان ما في اللوح الممحو وجعلنا النهار مبصرا أي تبصر فيه الأشياء وتستبان أو فمحونا آية الليل التي هي القمر حيث لم يخلق لها شعاعا كشعاع الشمس فترى به الأشياء رؤية بينة وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء لتبتغوا فضلا من ربكم لتتوصلوا ببياض النهار إلى استبانة أعمالكم والتصرف في معايشكم ولتعلموا باختلاف الجديدين عدد السنين والحساب جنس الحساب وما يحتاجون إليه منه ولولا ذلك لما علم أحد حسبان الأوقات ولتعطلت الأمور وكل شىء مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم فصلناه بيناه بيانا غير ملتبس فأزحنا عللكم وما تركنا لكم حجة علينا

تفسير أبي السعود ج5/ص159
وجعلنا الليل والنهار آيتين شروع في بيان بعض وجوه ما ذكر من الهداية بالإرشاد إلى مسلك الاستدلال بالآيات والدلائل الأفاقية التي كل واحدة منها برهان نير لا ريب فيه ومنهاج بين لا يضل من لا ينتحيه فإن الجعل المذكور وما عطف عليه من محو آية الليل وجعل آية النهار مبصرة وإن كانت من الهدايات التكوينية لكن الأخبار بذلك من الهدايات القرآنية المنبهة على تلك الهدايات وتقديم الليل لمراعاة الترتيب الوجودي إذ منه ينسلخ النهار وفيه تظهر غرر الشهور ولو أن الليلة أضيفت إلى ما قبلها من النهار لكانت من شهر وصاحبها من شهر آخر ولترتيب غاية آية النهار عليها بلا واسطة أي جعلنا الملوين بهيا تهما وتعاقبهما واختلافهما في الطول والقصر على وتيرة عجيبة يحار في فهمها العقول آيتين تدلان على أن لهما صانعا حكيما قادرا عليما وتهديان إلى ما هدى إليه القرآن الكريم من ملة الإسلام والتوحيد فمحونا آية الليل الإضافة أما بيانية كما في إضافة العدد إلى المعدود أي محونا الآية التي هي الليل وفائدتها تحقيق مضمون الجملة السابقة ومحوها جعلها ممحوة الضوء مطموسته لكن لا بعد أن لم يكن كذلك بل إبداعها على ذلك كما في قولهم سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل أي أنشأهما كذلك والفاء تفسيرية لأن المحو المذكور وما عطف عليه ليس مما يحصل عقيب جعل الجديدين آيتين بل هما من جملة ذلك الجعل ومتماته وجعلنا آية النهار أي الآية التي هي النهار على نحو ما مر مبصرة أي مضيئة يبصر فيها الأشياء وصفا لها بحال أهلها أو مبصرة للناس من أبصره فبصره وإما حقيقية وآية الليل والنهار نيراهما ومحو القمر إما خلقه مطموس التور في نفسه فالفاء كما ذكر وأما نقص ما استفادوا من الشمس شيئا فشيئا إلى المحاق على ما هو معنى المحو والفاء للتعقيب وجعل الشمس مبصرة إبداعها مضيئة بالذات ذات أشعة تظهر بها الأشياء المظلمة لتبتغوا متعلق بقوله تعالى وجعلنا آية النهار كما أشير إليه أي وجعلناها مضيئة لتطلبوا لأنفسكم في بياض النهار فضلا من ربكم أي رزقا إذ لا يتسنى ذلك في الليل وفي التعبير عن الرزق بالفضل وعن الكسب بالابتغاء والتعرض لصفة الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى الكمال شيئا فشيئا دلالة على أن ليس للعبد في تحصيل الرزق تأثير سوى الطلب وإنما الإعطاء إلى الله سبحانه لا بطريق الوجوب عليه بل تفضلا بحكم الربوبية ولتعلموا متعلق بكلا الفعلين أعنى محو آية الليل وجعل آية النهار مبصرة لا بأحدهما فقط إذ لا يكون ذلك بإنفراده مدارا للعلم المذكور أي لتعلموا بتفاوت الجديدين أو نيريهما ذاتا من حيث الإظلام والإضاءة مع تعاقبهما أو حركتهما و أوضاعهما وسائر أحوالهما عدد السنين التي يتعلق بها غرض علمي لإقامة مصالحكم الدينية والدنيوية والحساب أي الحساب المتعلق بما في ضمنها من الأوقات أي الأشهر والليالي والأيام وغير ذلك مما نيط به شيء من المصالح المذكورة ونفس السنة من حيث تحققها مما ينتظمه الحساب وإنما الذي تعلق به العد طائفة منها وتعلقه في ضمن ذلك بكل واحدة منها ليس من الحيثية المذكورة أعني حيثية تحققها وتحصلها من عدة أشهر قد تحصل كل واحد منها من عدة أيام قد حصل كل منها بطائفة من الساعات مثلا فإن ذلك وظيفة الحساب بل من حيث أنها فرد من تلك الطائفة المعدودة يعدها أي يفنيها من غير أن يعتبر في ذلك تحصل شي معين وتحقيقه ما مر في سورة يونس من أن الحساب أحصاه ماله كمية منفصلة بتكرير أمثاله من حيث يتحصل بطائفة معينة منها حد معين منه له اسم خاص وحكم مستقل كما أشير إليه آنفا والعد إحصاؤه بمجرد تكرير أمثاله من غير أن يتحصل منه شيء كذلك ولما أن السنين لم يعتبر فيها حد معين له اسم خاص وحكم مستقل أضيف إليها الغدد وعلق الحساب بما عاداها مما اعتبر فيه تحصل مراتب معينة لها أسام خاصة وأحكام مستقلة وتحصل مراتب الأعداد من العشرات والمئات والألوف اعتبارى لا يجدي في تحصل المعدودات وتقديم العدد على الحساب مع أن الترتيب بين متعلقيهما وجودا وعلما على العكس للتنبيه من أول الأمر على أن متعلق الحساب ما في تضاعيف السنين من الأوقات أو لأن العلم المتعلق بعدد السنين علم إجمالي بما تعلق به الحساب تفصيلا أو لأن العدد من حيث أنه لم يعتبر فيه تحصل شيء آخر منه حسبما ذكر نازل من الحساب المعتبر فيه ذلك منزلة البسيط من المركب أو لأن العلم المتعلق بالأول أقصى المراتب فكان جديرا بالتقديم في مقام الامتنان والله سبحانه أعلم وكل شيء تفتقرون إليه في المعاش والمعاد سوى ما ذكر من جعل الليل والنهار آيتين وما يتبعه من المنافع الدينية والدنيوية وهو منصوب بفعل يفسره قوله تعالى فصلناه تفصيلا أي بيناه في القرآن الكريم بيانا بليغا لا التباس معه كقوله تعالى ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء فظهر كونه هاديا للتي هي أقوم ظهورا بينا

تفسير ابن كثير ج3/ص28
إنه تعالى جعل لليل آية أي علامة يعرف بها وهي الظلام وظهور القمر فيه وللنهار علامة وهي النور وطلوع الشمس النيرة فيه وفاوت بين نور القمر وضياء الشمس ليعرف هذا من هذا كما قال تعالى هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق إلى قوله لآيات لقوم يتقون وقال تعالى يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج الآية قال بن جريج عن عبد الله بن كثير في قوله فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة قال ظلمة الليل وسدفة النهار وقال بن جريج عن مجاهد الشمس آية النهار والقمر آية الليل فمحونا آية الليل قال السواد الذي في القمر وكذلك خلقه الله تعالى وقال بن جريج قال بن عباس كان القمر يضيء كما تضيء الشمس والقمر آية الليل والشمس آية النهار فمحونا آية الليل السواد الذي في القمر وقد روى أبو جعفر بن جرير من طرق متعددة جيدة أن بن الكواء سأل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فقال يا أمير المؤمنين ما هذه اللطخة التي في القمر فقال ويحك أما تقرأ القرآن فمحونا آية الليل فهذه محوه وقال قتادة في قوله فمحونا آية الليل كنا نحدث أن محو آية الليل سواد القمر الذي فيه وجعلنا آية النهار مبصرة أي منيرة وخلق الشمس أنور من القمر وأعظم وقال بن أبي نجيح عن بن عباس وجعلنا الليل والنهار آيتين قال ليلا ونهارا كذلك خلقهما الله عز وجل

تفسير البغوي ج3/ص107
وجعلنا الليل والنهار آيتين أي علامتين دالتين على وجودنا ووحدانيتنا وقدرتنا فمحونا آية الليل وقال ابن عباس جعل الله نور الشمس سبعين جزأ ونور القمر كذلك فمحا من نور القمر تسعة وستين جزءا فجعلها مع نور الشمس حكى أن الله تعالى أمر جبريل فأمر جناحه على وجه القمر ثلاث مرات فطمس عنه الضوء وبقي في النور وسأل ابن الكواء عليا عن السواد الذي في القمر قال هو أثر المحو وجعلنا آية النهار مبصرة منيرة مضيئة يعني يبصر بها قال الكسائي تقول العرب أبصر
سورة الإسراء من الآية 12 وحتى الآية 15 النهار إذا أضاءت بحيث يبصر بها لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب أي لو ترك الله الشمس والقمر كما خلقهما لم يعرف الليل من النهار ولم يدر الصائم متى يفطر ولم يدر وقت الحج ولا وقت حلول الآجال ولا وقت السكون والراحة وكل شيء فصلناه تفصيلا

تفسير البيضاوي ج3/ص435
وجعلنا الليل والنهار آيتين تدلان على القادر الحكيم بتعاقبهما على نسق واحد بإمكان غيره فمحونا آية الليل أي الآية التي هي الليل بالاشراق والاضافة فيهما للتبيين كإضافة العدد إلى المعدود وجعلنا آية النهار مبصرة مضيئة أو مبصرة للناس من ابصره فبصر أو مبصرا أهله كقولهم اجبن الرجل إذا كان أهله جبناء وقيل الايتان القمر والشمس وتقدير الكلام وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين أو جعلنا الليل والنهار ذوي آيتين ومحو آية الليل التي هي القمر جعلها مظلمة في نفسها مطموسة النور أو نقص نورها شيئا فشيئا إلى المحاق وجعل آية النهار التي هي الشمس مبصرة جعلها ذات شعاع تبصر الاشياء بضوئها لتبتغوا فضلا من ربكم لتطلبوا في بياض النهار اسباب معاشكم وتتوصلوا به إلى استبانة أعمالكم ولتعلموا باختلافهما أو بحركاتهما عدد السنين والحساب وجنس الحساب وكل شيء تفتقرون إليه في أمر الدين والدنيا فصلناه تفصيلا بيناه بيانا غير ملتبس

تفسير الثعالبي ج2/ص333
سبحانه وجعلنا الليل والنهار آيتين الآية هنا العلامة المنصوبة للنظر والعبرة
وقوله سبحانه فمحونا آية الليل قالت فيه فرقة سبب تعقيب الفاء أن الله تعالى خلق الشمس والقمر مضيئين فمحا بعد ذلك القمر محاه جبريل بجناحه ثلاث مرات فمن هنالك كلفه وقالت فرقة أن قوله فمحونا آية الليل إنما يريد في أصل خلقته
وجعلنا آية النهار مبصرة أي يبصر بها ومعها ليبتغي الناس الرزق وفضل الله وجعل سبحانه القمر مخالفا لحال الشمس ليعلم به العدد من السنين والحساب للأشهر والأيام ومعرفة ذلك في الشرع إنما هو من جهة القمر لا من جهة الشمس وحكى عياض في المدارك في ترجمة الغازي بن قيس قال روي عن الغازي بن قيس أنه كان يقول ما من يوم ياتي إلا ويقول انا خلق جديد وعلى ما يفعل في شهيد فخذوا مني قبل أن أبيد فإذا أمسى ذلك اليوم خر لله ساجدا وقال الحمد لله الذي لم يجعلني اليوم العقيم انتهى والتفصيل البيان

تفسير الجلالين ج1/ص367
وجعلنا الليل والنهار آيتين دالتين على قدرتنا فمحونا آية الليل طمسنا نورها بالظلام لتسكنوا فيه والإضافة للبيان وجعلنا آية النهار مبصرة أي مبصرا فيها بالضوء لتبتغوا فيه فضلا من ربكم بالكسب ولتعلموا بهما عدد السنين والحساب للأوقات وكل شيء يحتاج إليه فصلناه تفصيلا بيناه تبيينا

تفسير السعدي ج1/ص454
وجعلنا الليل والنهار آيتين أي دالتين على كمال قدرة الله وسعة رحمته وأنه الذي لا تنبغي العبادة إلا له فمحونا آية الليل أي جعلناه مظلما للسكون فيه والراحة وجعلنا آية النهار مبصرة أي مضيئة لتبتغوا فضلا من ربكم في معايشكم وصنائعكم وتجاراتكم وأسفاركم ولتعلموا بتوالي الليل والنهار واختلاف القمر عدد السنين والحساب فتبنون عليها ما تشاؤون من مصالحكم وكل شيء فصلناه تفصيلا أي بينا الآيات وصرفناه لتتميز الأشياء ويتبين الحق من الباطل كما قال تعالى ما فرطنا في الكتاب من شيء

تفسير السمرقندي ج2/ص303
قوله عز وجل وجعلنا الليل والنهار آيتين أي خلقنا الشمس والقمر علامتين يدلان على أن خالقهما واحد فمحونا آية الليل أي ضوء القمر وهو السواد الذي في جوف القمر وقال محمد بن كعب القرظي كانت شمس بالليل وشمس بالنهار فمحيت شمس الليل وقال ابن عباس كان في الزمان الأول لا يعرف الليل من النهار فبعث الله جبريل فمسح جناحه بالقمر فذهب ضوؤه وبقي علامة جناحه وهو السواد الذي في القمر فذلك قوله فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة أي وتركنا علامة النهار مضيئة مبينة لتبتغوا فضلا من ربكم أي لتطلبوا رزقا من ربكم في النهار ولتعلموا عدد السنين والحساب أي حساب الشهور والأيام وكل شيء فصلناه تفصيلا أي بيناه في القرآن

تفسير السمعاني ج3/ص224
قوله وجعلنا الليل والنهار آيتين أي علامتين دالتين على أن لهما إلها واحدا
وقيل علامتين على الليل والنهار والمراد من الليل والنهار هو الشمس والقمر
وقوله فمحونا آية الليل روي عن علي وابن عباس أنهما قالا المحو هو السواد الذي في القمر
وفي بعض الآثار أن ابن الكواء قام إلى علي فسأله عن هذا فقال أعمى -أراد عمى القلب- يسأل عن عمياء ثم قال هو السواد الذي في القمر وقيل إن معنى قوله فمحونا آية الليل أي جعلنا الليل بحيث لا يبصر فيه كما لا يبصر الكتاب إذا محي
وقال قتادة وجماعة من المفسرين وهو محكي أيضا عن ابن عباس قالوا إن الله تعالى خلق الشمس والقمر مضيئين نيرين كل واحد منهما مثل الآخر في الضياء فلم يكن يعرف الليل من النهار والنهار من الليل فأمر جبريل حتى مسح بجناحه وجه القمر
قال مقاتل انتقص مما كان تسعة وستون جزءا وبقي جزء واحد
وقوله وجعلنا آية النهار مبصرة أي مضيئة نيرة وقيل ذات أبصار أي يبصر به

النسفي ج2/ص280
جعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة أي الليل والنهار آيتان في أنفسهما فتكون الإضافة في آية الليل وآية النهار للتبيين كإضافة العدد إلى المعدود أي فمحونا الآية التي هي الليل وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة أو وجعلنا نيرى الليل والنهار آيتيتن يريد الشمس والقمر فمحونا آية الليل التي هي القمر حيث لم يخلق له شعاعا كشعاع الشمس فترى الأشياء به رؤية بينة وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء لتبتغوا فضلا من ربكم لتتوصلوا ببياض النهار إلى التصرف في معايشكم ولتعلموا باختلاف الجديدين عدد السنين والحساب يعنى حساب الآجال ومواسم الأعمال ولو كانا مثلين لما عرف الليل من النهار ولا استراحت حراص المكنسبين والتجار وكل شيء مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم فصلناه تفصيلا بيناه بيانا غير ملتبس فازحنا عللكم وما تركنا لكم حجة علينا
روح المعاني – الألوسي ج15/ص25
وجعلنا اليل والنهار ءايتين هذا على ما قيل شروع في بيان بعض ما ذكر من الهداية بالإرشاد إلى مسلك الاستدلال بالآيات والدلائل الآفاقية التي كل واحدة منها برهان نير لا ريب فيه ومنهاج بين لا يضل من ينتحيه فإن الجعل المذكور وما عطف عليه وإن كانا من الهدايات التكوينية لكن الأخبار بذلك من الهدايات القرآنية المنبهة على تلك الهدايات وذكر الإمام في وجه الربط وجوها الأول أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة ما أوصل إلى الخلق من نعم الدين وهو القرآن أتبعه بيان ما أوصل إليهم من نعم الدنيا فقال سبحانه وجعلنا الخ وكما أن القرآن ممتزج من المحكم والمتشابه كذلك الزمان مشتمل على الليل والنهار وكما أن المقصود من التكليف لا يتم إلا بذكر المحكم والمتشابه فكذلك الزمان لا يكمل الانتفاع به إلا بالنهار والليل والثاني أنه تعالى وصف الإنسان بكونه عجولا أي منتقلا من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة بين أن كل أحوال العالم كذلك وهو الانتقال من النور إلى الظلمة وبالضد وانتقال نور القمر من الزيادة إلى النقصان وبالضد الثالث نحو ما نقلناه أولا ولعله الأولى وتقديم الليل لمراعاة الترتيب الوجودي إذ منه ينسلخ النهار وفيه تظهر غرر الشهور العربية ولترتيب غاية النهار عليها بلا واسطة ومما يزيد تقديم الليل حسنا افتتاح السورة بقوله سبحانه سبحان الذي أسرى بعبده ليلا والجعل على ما نقل عن السمين بمعنى التصيير متعد لاثنين أو بمعنى الخلق متعد لواحد و آيتين حال مقدرة
واستشكل الأول الكرماني بأنه يستدعي أن يكون الليل والنهار موجودين على حالة ثم انتقلا منها إلى فمحونا آية الليل الإضافة هنا وفيما بعد إما بيانية كما في إضافة العدد إلى المعدود نحو أربع نسوة أي محونا الآية التي هي الليل أي جعلنا ممحو الضوء مطموسه مظلما لا يستبين فيه شيء كما لا يستبين ما في اللوح الممحو وإلى ذلك ذهب صاحب الكشاف
وروي عن مجاهد وهو على نحو ضيق فم الركية والفاء تفسيرية لأن المحو المذكور وما عطف عليه ليسا مما يحصل عقيب جعل الجديدين آيتين بل هما من جملة ذلك الجعل ومتمماته وقيل معنى محو الليل إزالة ظلمته بالضوء ورجح بأن فيه إبقاء المحو على حقيقته وهو إزالة الشيء الثابت وليس فيما ذكره الزمخشري ذلك و لا ينبغي العدول عن الحقيقة بلا ضرورة وتعقب بأنه يكفي ما بعده قرينة على تلك الإرادة فإن محو الليل في مقابلة جعل النهار مبصرا وعلى ما ذكر من المعنى الحقيقي لا يتعلق بمحو الليل فائدة زائدة على ما بعده وقيل عليه إن الظلمة هي الأصل والنور طاريء فيكون الليل مخلوقا مطموس الضوء مفروغ عنه فالمراد بيان أن الله تعالى خلق الزمان ليلا مظلما ثم جعل بعضه نهارا بإحداث الإشراق لفائدة ذكرها سبحانه وكون محو الليل في مقابلة جعل النهار مضيئا لا يوجب حمله على المجاز لفائدة بيان إبقاء بعض الزمان على إظلامه وجعل بعضه مضيئا ا ه ولا يخفى ما فيه من التكلف وأن المقام لا يلائمه فالمعول عليه ما في الكشاف
وجعلنا آية النهار أي الآية التي هي النهار مبصرة أي مضيئة فهو مجاز بعلاقة السببية أو الإسناد مجازي كما في نهاره صائم والمراد يبصر أهلها أو الصيغة للنسب أي ذات إبصارهم أو هي من أبصره المتعدي أي جعله مبصرا ناظرا والإسناد إلى النهار مجازي أيضا من الإسناد إلى السبب العادي والفاعل الحقيقي هو الله تعالى أو من باب أفعل المراد به غير من أسند إليه كأضعف الرجل إذا كانت دوابه ضعافا وأجبن إذا كان أهله جبناء فأبصرت الآية بمعنى صار أهلها بصراء وروي ذلك عن أبي عبيدة وهو معنى وضعي لا مجازي وقرأ قتادة وعلي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما مبصرة بفتح الميم والصاد وهو مصدر أقيم مقام غيره وكثر مثل ذلك في صفات الأمكنة كأرض مسبعة ومكان مضبة وإما إضافة لامية وآيتا الليل والنهار نيراهما القمر والشمس ويحتاج حينئذ في قوله تعالى وجعلنا الليل والنهار آيتين إلى تقدير مضاف في الأول والثاني أي جعلنا نيري الليل والنهار آيتين أو جعلنا الليل والنهار ذوي آيتين أن جعل جعل متعديا إلى مفعولين والليل والنهار هو المفعول الأول وآيتين الثاني فإن عكس كما استظهره أبو حيان وجعل الليل والنهار نصبا على الظرفية في موضع المفعول الثاني أي جعلنا في الليل والنهار آيتين وهما النيران لا يحتاج إلى تقدير كما إذا جعل الجعل متعديا لواحد والليل والنهار منصوبان على الظرفية كما جوزه المعربون ومحو آية الليل وهي القمر على ما تدل عليه الآثار إزالة ما ثبت لها من النور يوم خلقت فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية أنه قال كان القمر يضيء كما تضيء الشمس وهو آية الليل فمحي فالسواد الذي في القمر أثر ذلك المحو وأخرج عبد بن حميد وغيره عن عكرمة أنه قال خلق الله تعالى نور الشمس سبعين جزءا ونور القمر سبعين جزءا فمحى من نور القمر تسعة وستين جزءا فجعله مع نور الشمس فالشمس على مائة وتسعة وثلاثين جزءا والقمر على جزء واحد وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي أنه قال كانت الشمس بالليل وشمس بالنهار فمحى الله تعالى شمس الليل فهو المحو الذي في القمر وأخرج البيهقي في دلائل النبوة وابن عساكر عن سعيد المقبري أن عبد الله بن سلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن السواد الذي في القمر فقال كانا شمسين وقال قال الله تعالى وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل فالسواد الذي رأيت هو المحو وفي حديث طويل أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه بسند واه عن ابن عباس مرفوعا أن الله تعالى خلق شمسين من نور عرشه فأرسل جبريل عليه السلام فأمر جناحه على وجه القمر وهو يومئذ شمس ثلاث مرات فطمس عنه الضوء وبقي فيه النور وذلك قوله تعالى وجعلنا الليل والنهار آيتين الآية إلى غير ذلك من الآثار والفاء على هذا للتعقيب وجعل آية النهار وهي الشمس مبصرة على نحو ما تقدم فتبصر وقيل محو القمر إما خلقه كمدا مطموس النور غير مشرق بالذات على ما ذكره أهل الهيئة من أنه غير مضيء في نفسه بل نوره مستفاد من ضوء الشمس فالفاء تفسيرية كما مر وإما نقص ما استفاد من الشمس شيئا فشيئا بحسب الرؤية والإحساس إلى أن ينمحق على ما هو معنى المحو فالفاء للتعقيب وذكر الإمام في محوه قولين أحدهما نقص نوره قليلا قليلا إلى المحلق وثانيهما جعله ذا كلف ثم قال حمله على الوجه الأول أولى لأن اللام في الفعلين بعد متعلق بما هو المذكور قبل وهو محو آية الليل وجعل آية النهار مبصرة ومحو آية الليل إنما يؤثر في ابتغاء فضل الله تعالى إذا حملنا محو القمر على زيادة نور القمر ونقصانه لأن سبب حصول هذه الآية مختلف باختلاف أحوال نور القمر وأهل التجارب أثبتوا أن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحه مثل أحوال البحار في المد والجزر ومثل أحوال البحرانات على ما يذكره الأطباء في كتبهم وأيضا بسبب زيادة نور القمر ونقصانه أنه يحصل الشهور وبسبب معاودة الشهور يحصل السنون العربية المبنية على رؤية الهلال كما قال سبحانه ولتعلموا الخ أ ه وأنت تعلم أنه متى دل أثر صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكرناه أولا لا ينبغي أن يدعى أن غيره أولى وهو لعمري وجه لا كلف فيه عند من له عين مبصرة و الفلاسفة في هذا المحو المرئي في وجه القمر كلام طويل لا بأس بأن تحيط به خيرا فنقول ذكر الإمام في المباحث المشرقية أن امتناع بعض المواضع في وجه القمر عن قبول الضوء التام إما أن يكون بسبب خارج عن جرم القمر أو غير خارج عنه فإن كان بسبب خارج فإما أن يكون لمثل ما يعرض للمرايا من وقوع أشباح الأشياء فيها فإذا رؤيت تلك الأشياء لم تر براقة فكذلك القمر لما تصورت فيه أشباح الجبال والبحار وجب أن لا ترى تلك المواضع في غاية الاستنارة وإما أن يكون ذلك بسبب ساتر والأول باطل أما أولا فلأن الأشباح لا تتحفظ هيآتها مع حركة المرآة وبتقدير سكونها لا تستقر تلك الأشباح فيها عند اختلاف مقامات الناظرين والآثار التي في وجه القمر ليست كذلك وأما ثانيا فلأن القمر ينعكس الضوء عنه إلى البصر وما كان كذلك لم يصلح للتخييل وأما ثالثا فلأنه كان يجب أن تكون تلك الآثار كالكرات لأن الجبال في الأرض كتضريس أو خشونة في سطح كرة وليس لها من المقدار قدر ما يؤثر في كرية الأرض فكيف لأشباحها المرئية في المرآة
وأما إن كان ذلك بسبب سائر فذلك السائر إما أن يكون عنصريا أو سماويا والأول باطل وأما أولا فلأنه كان يجب أن يكون المواضع المتسترة من جرم القمر مختلفة باختلاف مقامات الناظرين وأما ثانيا فلأن ذلك الساتر لا يكون هواء صرفا ولا نارا صرفة لأنهما شفافان فلا يحجبان بل لا بد وأن يكون مركبا إما بخارا وإما دخانا وذلك لا يكون مستمرا وأما إن كان الساتر سماويا فهو الحق وذلك إنما يكون لقيام أجسام سماوية قريبة المكان جدا من القمر وتكون من الصغر بحيث لا يرى كل واحد منها بل جملتها على نحو مخصوص من الشكل وتكون إما عديمة الضوء أو لها ضوء أضعف من ضوء القمر فترى في حالة إضاءته مظلمة وأما إن كان ذلك بسبب عائد إلى ذات القمر فلا يخلو إما أن يكون جوهر ذلك الموضع مساويا لجواهر المواضع المستنيرة من القمر في الماهية أو لا يكون فإن لم يكن كان ذلك لارتكاز أجرام سماوية مخالفة بالنوع للقمر في جرمه كما ذكرناه قبل وهو قريب منه
وإما أن تكون تلك المواضع مساوية الماهية لجرم القمر فحينئذ يمتنع اختصاصها بتلك الآثار إلا بسبب خارجي لكنه قد ظهر لنا أن الأجرام السماوية لا تتأثر بشيء عنصري وبذلك أبطل قول من قال إن ذلك المحو بسبب انسحاق عرض القمر من مماسة النار أما أولا فلأن ذلك يوجب أن يتأدى ذلك في الأزمان الطويلة إلى العدم والفساد بالكلية والأرصاد التوالية مكذبة لذلك وأيضا القمر غير مماس للنار لأنه مفرق في فلك تدويره الذي هو في حامله الذي بينه وبين النار بعد بعيد بدليل أن النار لو كانت ملاقية لحامله لتحركت بحركته إلى المشرق وليس كذلك لأن حركات الشهب في الأكثر لا تكون إلا إلى جهة المغرب وتلك الحركة تابعة لحركة النار والحركة المستديرة ليست للنار بذاتها فإنها مستقيمة الحركة فذلك لها بالعرض تبعا لحركة الكل فبطل ما قالوه ا ه
وذكر الآمدي في أبكار الأفكار زيادة على ما يفهم مما ذكر من الأقوال وهي أن منهم من قال إن ما يرى خيال لا حقيقة له ورده بأنه لو كان كذلك لاختلف الناظرون فيه ومنهم من قال إنه السواد الكائن في القمر في الجانب الذي لا يلي الشمس ورده بأنه لو كان كذلك لما رؤى متفرقا ومنهم من قال إنه وجه القمر فإنه مصور بصورة وجه الإنسان وله عينان وحاجبان وأنف وفم ورده بأنه مع بعده يوجب أن يكون فعل الطبيعة عندهم معطلا عن الفائدة لأن فائدة الحاجبين عندهم دفع أذى العرق عن العينين وفائدة الأنف الشم وفائدة الفم دخول الغذاء وليس للقمر ذلك وقد رد عليهم رحمة الله تعالى عليه سائر ما ذكروه
وذكر الإمام في التفسير أن آخر ما ذكره الفلاسفة في ذلك أنه ارتكن في وجه القمر أجسام قليلة الضوء مثل ارتكاز الكواكب في أجرام الأفلاك ولما كانت تلك الأجرام أقل ضوءا من جرم القمر لا جرم شوهدت في وجهه كالكلف في وجه الإنسان وفي ارتكازها في بعض أجزائه دون بعض مع كونه متشابه الأجزاء عندهم دليل على الصانع المختار كما أن في تخصيص بعض أجزائه بالنور القوي وبعضها بالنور الضعيف مع تشابه الأجزاء دليلا على ذلك ومثل هذا التخصيص في الدلالة تخصيص بعض جوانب الفلك الذي هو عندهم أيضا جرم بسيط متشابه الأجزاء بارتكاز الكواكب فيه دون البعض الآخر
وزعم بعض أهل الآثار أنه مكتوب في وجه القمر لا إله إلا الله وقيل لفظ جميل وقيل غير ذلك وأن المحو المرئي هو تلك الكتابة ولا يعول على شيء من ذلك نعم مكتوب على كل شيء لا إله إلا الله وكذا جميل ولكن ذلك بمعنى آخر كما لا يخفى
ونقل لي عن أهل الهيئة الجديدة أنهم يزعمون أن القمر كالأرض فيه الجبال والوهاد والأشجار والبحار وأنهم شاهدوا ذلك في أرصادهم وأن المواضع التي لا يرى فيها محو هي البحار والتي فيها محو هي أرض غير مستوية وزعموا أنه لو وصل أحد إلى القمر لرأى الأرض كذلك ومن هنا قالوا لا يبعد أن يكون معمورا بخلائق و عمارة الأرض بل قالوا إن جميع الكواكب مثله في ذلك قياسا عليه وإن كانت لا يرى فيها لمزيد بعدها ما يرى فيه وبعيد من الحكمة أن يعمر الله تعالى الأرض بالخلق على صغرها ويترك أجساما عظيمة أكثرها أعظم من الأرض خالية بلا خلق على كبرها وهم منذ غرهم القمر تشبثوا بحباله في عمل الحيل للعروج إليه فصنعوا سفنا زئبقية فعرجوا فيها فقبل أن يصلوا إلى كرة البخار انتفخت أجسامهم وضلت كما ضلت من قبل أفهامهم فانقلبوا صاغرين وهبطوا خاسيئن وأنت تعلم أن كلامهم في هذا الباب مخالف لأصول الفلسفة ولا برهان لهم عليه سوى السفه ومنشؤه محض أنهم رأوا شيئا في القمر ولم يتحققوه وظنوه ما ظنوه وأي مانع من أن يكون قد جعل الله تعالى المحو على وجه يتخيل فيه ذلك بل لا مانع على أصولنا من أن يقال قد جعل الله تعالى في القمر أجراما تشبه ما حسبوه لكن لم يرد في ذلك شيء عن الصادق صلى الله عليه وسلم وهو الذي عرج به إلى قاب قوسين أو أدنى وما ذكروه من أنه بعيد من الحكمة أن يعمر الله تعالى الأرض الخ يلزم عليه أن يكون ما بين الكواكب ككواكب الدب الأكبر مثلا معمورا بالخلائق كالأرض أيضا فإنه أوسع منها بأضعاف مضاعفة وهم لا يقولون به على أنا نقول قد جاء أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك راكع أو ساجد فيجوز أن يكون على جرم القمر ملائكته يعبدون الله تعالى بما شاء الله تعالى بما شاء وكيف شاء بل يجوز أن يكون عند كل ذرة من ذراته ملك كذلك وهذا نوع من العمارة بالخلق والأحسن عند من عز عليه وقته عدم الالتفات إلى مثل هذه الخرافات وتضييع الوقت في ردها والله سبحانه الموفق ثم ما تقدم من أن المحو نقص ما استفاده القمر من الشمس شيئا فشيئا فيه القول بأن نور القمر مستفاد من نور الشمس وقد عد الجل من العلماء ذلك في الحدسيات وذكروا أن الشمس مضيئة بنفسها وكلا الأمرين مما ذكره الفلاسفة وليس له في الشرع مستند يعول عليه وقد نقله الآمدي وتعقبه فقال ذكروا أن الشمس نيرة بنفسها وما المانع من كونها سوداء الجرم والله تعالى يخلق فيها النور في أوقات مشاهدتنا لها وأن تكون مستنيرة من كواكب أخرى فوقها وهي مستورة عنا ببعض الأجرام السماوية المظلمة كما يحدث للشمس في حالة الكسوف وإن سلمنا أنها نيرة بنفسها فلا نسلم أن نور القمر مستفاد منها وأما المانع من كون الرب تعالى يخلق فيه النور في وقت دون وقت أو أن يكون مع كونه مركوزا في فلكه دائرا على مركز نفسه واحد وجهيه نير والآخر مظلم كما كان بعض أجزاء الفلك شفافا وبعضها نيرا وهو متحرك بحركة مساوية لحركة فلكه ويكون وجهه المضيء عند مقابلة الشمس وهو الذي يلينا ويكون الزيادة والنقصان فيما يظهر لنا على حسب بعده وقربه من الشمس فلا يكون مستنيرا من الشمس ا ه وأورد أنه إذا ضم الخسوف إلى الزيادة والنقصان قربا وبعدا لا يتم ما ذكره وصح ما ذكروه من الاستفادة
وأوجب بأنه المانع من أن يكون الخسوف لحيلولة جرم علوي بيننا وبينه لا لحيلولة الأرض بينه وبين الشمس فلا بد لنفي ذلك من دليل فافهم والله تعالى أعلم وهو المتصرف في ملكه كيفما يشاء لتبتغوا متعلق بقوله تعالى وجعلنا آية النهار وفي الكلام مقدر أي جعلنا آية النهار مبصرة لتطلبوا لأنفسكم فيه فضلا من ربكم أي رزقا إذ لا يتسنى ذلك في الليل وفي التعبير عن الرزق بالفضل وعن الكسب بالابتغاء والتعرض لصفة الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى الكمال شيئا فشئيا دلالة كما قال شيخ الإسلام على أن ليس للعبد في تحصيل الرزق تأثير سوى الطلب وإنما الاعطاء إلى الله سبحانه لا بطريق الوجوب عليه تعالى بل تفضلا بحكم الربوبية ومعنى تأثير الطلب على نحو تأثير الأسباب العادية فإنه من جملتها ولا توقف حقيقة للرزق عليه وفي الخبر يطلبك رزقك كما يطلبك أجلك ولله تعالى در القائل لقد علمت وما الاشراف من خلقي أن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى إليه فيعيبني تطلبه ولو قعدت أتاني لا يعنيني ولتعلموا متعلق كما قيل كلا الفعلين أعني محو آية الليل وجعل آية النهار مبصرة لا بأحدهما فقط إذ لا يكون ذلك بانفراده مدادا للعلم المذكور أي لتعلموا بتفاوت الجديدين أو نيريهما ذاتا من حيث الاظلام والإضاءة مع تعاقبهما أو حركاتهما وأوضاعهما وسائر أحوالهما عدد السنين التي يتعلق بها غرض علمي لإقامة مصالحكم الدينية والدنيوية والحساب أي الحساب المتعلق بما في ضمنها من الأوقات أي الأشهر والليالي والأيام وغير ذلك مما نيط به شيء من المصالح المذكورة ونفس السنة من حيث تحققها بما ينتظمه الحساب وإنما الذي يتعلق به العد طائفة منها وتعلقه في ضمن ذلك بكل واحدة منها ليس من حيثية التحقق والتحصل من عدة أشهر حصل كل واحد منها من عدة أيام حصل كل واحد منها من طائفة من الساعات مثلا فإن ذلك من وظيفة علم الحساب بل من حيث إنها فرد من طائفة السنين المعدودة بعدها أي نفسها من غير أن يعتبر في ذلك تحصيل شيء معين كما حقق ذلك شيخ الإسلام وقيل المعنى لتعلموا باختلافها وتعاقبها على نسق واحد أو بحركاتهما عدد السنين الخ المراد بالحساب جنسه أي الجاري في المعاملات كالاجارات والبيوع المؤجلة وغير ذلك وذكر بعضهم أن الظاهر المناسب أن المراد لتعلموا بالليل فإن عدد السنين الشرعية والحساب الشرعي يعلمان به غالبا أو بالقمر لقوله تعالى في الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وأنت تعلم أن السنين شمسية وقمرية وبكل منهما العمل فلو قيل إحدى الآيتين مبينة لأحدهما والأخرى للآخر لا محذور فيه وكون الشرع معولا على أحدهما لا يضر وتقديم العدد على الحساب من أن الترتيب بين متعلقيهما على ما سمعت أولا وجودا وعدما على العكس للتنبيه من أول الأمر على أن متعلق الحساب ما في تضاعيف السنين من الأوقات أو لأن العلم المتعلق بعدد السنين علم إجمالي بما تعلق به الحساب تفصيلا أو لأن العلم المتعلق بالأول أقصى المراتب فكان جديرا بالتقديم في مقام الامتنان أو لأن العدد نازل من الحساب منزلة البسيط من المركب بناء على ما حقق من أن الحساب إحصاء ماله كمية منفصلة بتكرير أمثاله من حيث يتحصل بطائفة معينة منها حد معين منه له اسم خاص وحكم مستقل والعدد إحصاؤه بمجرد تكرير أمثاله من غير أن يتحصل شيء كذلك ولهذا وكون السنين بما لم يعتبر فيها حد معين له اسم خاص وحكم مستقل أضيف إليها العدد وعلق الحساب بما عداها فتدبر
وكل شيء يفتقرون إليه في معاشكم ومعادكم سوى ما ذكر من جعل الليل والنهار آيتين وما يتبعه من المنافع الدينية والدنيوية وهو منصوب بفعل يفسره قوله تعالى فصلناه تفصيلا 21 وهذا من باب الاشتغال ورجع النصب لتقدم جملة فعلية وجوز أن يكون معطوفا على الحساب وجملة فصلناه صفة شيء وهو بعيد معنى والتفصيل من الفصل بمعنى القطع والمراد به الإبانة التامة وجيء بالمصدر للتأكيد فالمعنى بينا كل شيء في القرآن الكريم بيانا بليغا لا التباس معه كقوله تعالى ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء فظهر كونه هاديا للتي هي أقوم ظهورا بينا

زاد المسير – ابن الجوزي ج5/ص14
فمحونا آية الليل فيه قولان
أحدهما أن آية الليل القمر ومحوها ما في بعض القمر من الاسوداد والى هذا المعنى ذهب علي عليه السلام وابن عباس في آخرين
والثاني آية الليل محيت بالظلمة التي جعلت ملازمة لليل فنسب المحو الى الظلمة اذ كانت تمحو الانوار وتبطلها ذكره ابن الانباري ويروى ان الشمس والقمر كانا في النور والضوء سواء فأرسل الله جبريل فأمر جناحه على وجه القمر وطمس عنه الضوء
قوله تعالى وجعلنا آية النهار يعني الشمس مبصرة فيه ثلاثة أقوال
أحدها منيرة قاله قتادة قال ابن الانباري وانما صلح وصف الاية بالابصار على جهة المجاز كما يقال لعب الدهر ببني فلان
والثاني ان معنى مبصرة مبصرا بها قاله ابن قتيبة
والثالث ان معنى مبصرة مبصرة فجرى مفعل مجرى مفعل والمعنى انها تبصر الناس أي تريهم الأشياء قاله ابن الأنباري ومعاني الأقوال تتقارب
قوله تعالى لتبتغوا فضلا من ربكم أي لتبصروا كيف تتصرفون في أعمالكم وتطلبون رزقكم بالنهار ولتعلموا عدد السنين والحساب بمحو آية الليل ولولا ذلك لم يعرف الليل من النهار ولم يتبين العدد وكل شيء أي ما يحتاج اليه فصلناه تفصيلا بيناه تبينا لا يلتبس معه بغيره

فتح القدير – الشوكاني ج3/ص212
وجعلنا الليل والنهار آيتين وذلك لما فيهما من الإظلام والإنارة مع تعاقبهما وسائر ما اشتملا عليه من العجائب التى تحار فى وصفها الأفهام ومعنى كونهما آيتين أنهما يدلان على وجود الصانع وقدرته وقدم الليل على النهار لكونه الأصل فمحونا آية الليل أى طمسنا نورها وقد كان القمر كالشمس فى الإنارة والضوء قيل ومن آثار المحو السواد الذى يرى فى القمر وقيل المراد بمحوها أنه سبحانه خلقها ممحوة الضوء مطموسة وليس المراد أنه محاها بعد أن لم تكن كذلك وجعلنا آية النهار مبصرة أى جعل سبحانه شمسه مضيئة تبصر فيها الأشياء قال أبو عمرو ابن العلاء والكسائى هو من قول العرب أبصر النهار إذا صار بحالة يبصر بها وقيل مبصرة للناس من قوله أبصره فبصر فالأول وصف لها بحال أهلها والثانى وصف لها بحال نفسها وإضافة آية إلى الليل والنهار بيانية أى فمحونا الآية التى هى الليل والآية التى هى النهار كقولهم نفس الشئ وذاته لتبتغوا فضلا من ربكم أى لتتوصلوا ببياض النهار إلى التصرف فى وجوه المعاش واللام متعلق بقوله وجعلنا آية النهار مبصرة أى جعلناها لتبتغوا فضلا من ربكم أى رزقا إذ غالب تحصيل الأرزاق وقضاء الحوائج يكون بالنهار ولم يذكر هنا السكون فى الليل اكتفاء بما قاله فى موضع آخر هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا ثم ذكر مصلحة أخرى فى ذلك الجعل فقال ولتعلموا عدد السنين والحساب وهذا متعلق بالفعلين جميعا أعنى محونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لا بأحدهما فقط كالأول إذ لا يكون علم عدد السنين والحساب إلا باختلاف الجديدين ومعرفة الأيام والشهور والسنين والفرق بين العدد والحساب أن العدد إحصاء ماله كمية بتكرير أمثاله من حيث يتحصل بطائفة معينة منها حد معين منه له اسم خاص فالسنة مثلا إن وقع النظر إليها من حيث عدد أيامها فذلك هو العدد وإن وقع النظر إليها من حيث تحققها وتحصلها من عدة أشهر قد يحصل كل شهر من عدة أيام قد يحصل كل يوم من عدة ساعات قد تحصلت كل ساعة من عدة دقائق فذلك هو الحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا أى كل ما تفتقرون إليه فى أمر دينكم ودنياكم بيناه تبيينا واضحا لا يلتبس وعند ذلك تنزاح العلل وتزول الأعذار

معاني القرآن – النحاس ج4/ص128
18 وقوله جل وعز وجعلنا الليل والنهار آيتين
الآية في اللغة الدلالة والعلامة أي جعلناهما دالين على أن خالقهما ليس كمثله شيء ودالين على عدد السنين والحساب
19 ثم قال جل وعز فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة
روى هشيم عن حصين عن عكرمة عن ابن عباس فمحونا آية الليل قال هو السواد الذي ترونه في القمر
ويروي أن ابن الكواء سأل علي بن أبي طالب عن السواد الذي في القمر فقال لو سألت عما ينفعك في دنياك وآخرتك ذاك أن الله يقول وجعلنا الليل والنهار آيتين الى آخر الآية فآية النهار الشمس وآية الليل القمر وصحوه السواد الذي فيه
20 وقوله جل ثناؤه وجعلنا آية النهار مبصرة روى الحسن عن قتادة قال منيرة قال أبو جعفر وهذا مذهب الفراء فقد قال مبصرة بمعنى مضيئة وقال غيره هذا على التشبيه أي ذات إبصار أي يبصرون بها

أضف تعليقاً