طول الظل في الكون

طول الظل في الكون

قال سبحانه وتعالى

( أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا. ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا)

(45) (46) (الفرقان)

 

 

مختصر اقوال المفسرين في هذه الآية

 

 

اختلف المفسرين في تفسير هذه الآية كثيرا فمعظم المفسرين قالوا :
ألم تر إلى ربك أي إلى صنع ربك وقدرته مد الظل قيل مدة من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لأن الظل حينئذ على الأرض كلها واعترضه ابن عطية لأن ذلك الوقت من الليل ولا يقال ظل بالليل واختار أن مد الظل من الإسفار إلى طلوع الشمس وبعد مغيبها بيسير فصارت الشمس بحكمة الحق سبحانه وتعالى تطلع في وقت وتغيب في وقت بمنزلة سراج يدفع لأهل بيت بمقدار حاجتهم لو كانت واقفة في موضع واحد لاشتدت السخونة في ذلك الموضع واشتد البرد في سائر المواضع ، و قوله ألم تر فيه وجهان أحدهما أنه من رؤية العين والثاني أنه من رؤية القلب يعني العلم فإن حملناه على رؤية العين فالمعنى أم تر إلى الظل كيف مده ربك وإن كان تخريج لفظه على عادة العرب أفصح وإن حملناه على العلم وهو اختيار الزجاج فالمعنى ألم تعلم وهذا أولى وذلك أن الظل إذا جعلناه من المبصرات فتأثير قدرة الله تعالى في تمديده غير مرئي بالاتفاق ولكنه معلوم من حيث إن كل متغير جائز فله مؤثر فحمل هذا اللفظ على رؤية القلب أولى من هذا الوجه
المسألة الثانية المخاطب بهذا الخطاب وإن كان هو الرسول عليه السلام بحسب ظاهر اللفظ ولكن الخطاب عام في المعنى لأن المقصود من الآية بيان نعم الله تعالى بالظل وجميع المكلفين مشتركون في أنه يجب تنبههم لهذه النعمة، واعتبر بعض المفسرين الظل هو الأمر المتوسط بين الضوء الخالص وبين الظلمة الخالصة وهو ما بين ظهور الفجر إلى طلوع الشمس أطيب الأحوال هو الظل ولذلك وصف الجنة به فقال وظل ممدود، وقالوا إلا إذا طلعت الشمس ووقع ضوؤها على الجسم زال ذلك الظل فلولا الشمس ووقوع ضوئها على الأجرام لما عرف أن للظل وجودا وماهية لأن الأشياء إنما تعرف بأضدادها ، و ثم قبضناه أي أزلنا الظل لا دفعة بل يسيرا والمراد بالقبض الإزالة والإعدام أو يكون المراد من قبضها يسيرا قبضها عند قيام الساعة وذلك بقبض أسبابها قلنا الظل ليس عدما محضا بل هو أضواء مخلوطة بظلم أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ألم تر إلى ربك كيف مد الظل قال بعد الفجر قبل ان تطلع الشمس ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا يعني ما تقبض الشمس من الظل
حكى الطبري أنه لولا الشمس لم يعلم أن الظل شيء ، والسكنى أو غير متقلص من السكون بأن يجعل الشمس مقيمة على وضع واحد ثم جعلنا الشمس عليه دليلا فإنه لا يظهر للحس حتى تطلع ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا أي الظل بعد غروب الشمس وذلك أن الشمس إذا غابت عاد الظل وذلك وقت قبضه لأن ظل الشمس بعد غروب الشمس لا يذهب كله جملة ومعناه ألم تر إلى الظل كيف مده ربك ثم قبضنا ذلك الدليل من الشمس على الظل وقيل إن الهاء التي في قوله ثم قبضناه إلينا عائدة على الظل فقد قال الراغب وكفى به حجة في اللغة الظل ضد الضح وهو أعم من الفيء فانه يقال ظل الليل وظل الجنة ويقال لكل موضع لم تصل اليه الشمس ظل ولا يقال الفيء إلا لما زال عنه الشمس ولا يبعد أن يقال إن التعبير بمد لما أن الظل المذكور ظل الافق الشرقي وقد اعتبر المشرق والمغرب طرفي جهتي الأرض طولا والشمال والجنوب طرفي جهتيها عرضا أو لأن ظهوره في الأرض وطول المعمور منها الذي يسكنه من يشاهد الظل أكثر من عرض المعمور منها إذ الأول كما هو المشهور نصف دور أعني مائة وثمانين درجة والثاني دون ذلك على جميع الاقوال فيه فيكون الظل بالنظر إلى الرائيين في المعمور من الأرض ممتدا ما بين جهتي شرقية وغربية أكثر مما بين جهتي شمالية وجنوبية.
وبالرغم من كثرة الآراء هنا الا انها تكاد تصف في صف واحد ، لنرجع الى الصف الثاني من الاقوال:
أي ألم تنظر إلى بديع صنعه تعالى كيف مد الظل أي كيف أنشأ ظل أي مظل كان من جبل أو بناء أو شجر عند ابتداء طلوع الشمس ممتدا لا أنه تعالى مده بعد أن لم يكن كذلك كما بعد نصف النهار إلى غروبها فإن ذلك مع خلوه عن التصريح بكون نفسه بإنشائه تعالى وإحداثه يأبه سياق النظم الكريم وأما ما قيل من أن المراد بالظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وأنه أطيب الأوقات فإن الظلمة الخالصة تنفر عنها الطباع وشعاع الشمس يسخن الجو ويبهر البصر ولذلك وصف به الجنة في قوله تعالى وظل ممدود فغير سديد يراد بالظل ما يتعارفونه من حالة مخصوصة يشاهدونها في موضع يحول بينه وبين الشمس جسم كثيف مخالفة لما في جوانبه من مواقع ضح الشمس وما ذكر وإن كان في الحقيقة ظلا للأفق الشرقي لكنهم لا يعدونه ظلا ولا يصفونه بأوصافه المعهودة
وأما التعليل بأن يجعل الشمس مقيمة على وضع واحد فمداره الغفول الخوارق كإقامة الشمس في مقام واحد على أنها أعظم من إبقاء الظل على حاله في الدلالة فهي أولى وأحق بالإيراد في معرض البيان ما يشاهد بين الشمس والظل من الدوران المطرد المنبئ عن السببية من مزيد دلالة على عظم القدرة ودقة الحكمة وهو السر في إيراد كلمة التراخي وقوله تعالى ثم قبضناه عطف على مد داخل في حكمه وثم للتراخي الزماني وإنما عبر عنه بالقبض المنبئ عن جميع المنبسط وطيه لما أنه قد عبر عن إحداثه بالمد الذي هو البسط طولا.

(انتهى كلام المفسرين)

 

 

 

 

صورة لثقب اسود التقطت بأحدث مرقاب

 

2

التفسير العلمي للآية

وهذه دعوه اخرى للتفكر اعمق بكثير مما هو ظاهر منها وعلى نفس طريقة القران الكريم حيث ان كل آيه تبتدأ بـ ( الم ترى ) تعنى ان هناك معنى عميقا لها يحتاج الى اجهاد الفكر لإجلاء اسرارها ، ومع هذا فقد استطاع المسلمين في عصر الرسالة ان يفهموا منها فسبحانه وتعالى مد الظل فعرفوا كيف ان ظل الاشياء يتحرك وان الحركة محكومة بمصدر الضوء وهو الشمس في اغلب الاحوال، فالبدوي كان يجلس في ظل شجرة وبعد ساعة من الزمن يجد نفسه في الشمس فهو يرى ان حركة الشمس تحرك الظل ، وعند المغيب سيكون ظل الاشياء طويلا جدا ، ولكن بهذا المعنى البسيط الذى يعتمد على المشاهدة البسيطة لم يستطع المفسرين معرفة كيف يقبض سبحانه وتعالى الظل وكيف يجعله ساكنا لذا بقي كثير من المفسرين لا يسهبون فيها ولا يتعمقون بمعانيها .
بعد دراسة الكون والاطلاع على الكثير من خفاياها بواسطة التقدم العلمي المتمثل بالمراقيب ( التلسكوبات ) المطورة والكمبيوترات الجبارة واجهزة قياس ودراسة الاشعاعات الكونية والمسابير التي انطلقت في الكون ، وجد العلماء ان الظل ينقسم الى قسمين ، ظل كلى وظل جزئي وذلك بسبب المسافات الشاسعة والحجوم الكبيرة والعظيمة للنجوم ، والتي تعطى أضاءتها على مدى مساحتها فتبلغ منطقة الاضاءة فيها ملايين الكيلو مترات ، لذلك فظل الكواكب والاجرام السماوية الجامدة الغير مضيئة الاخرى لا يكون الا الى مسافة قليله ، فعندما يمر ظل القمر على الارض ( كسوف الشمس ) او يمر ظل الارض على القمر ( خسوف القمر ) فان الظل قد يكون كاملا او جزئيا لقربها النسبي من بعضها ، ولكن الظل التام سرعان ما يتمدد ويبقى ظل جزئي وهذا الظل وبتفكير علمي كونى فهو خالد بخلود الكون ، وللتوضيح اكثر فان مجموعتنا الشمسية تكونت منذ خمسة بلايين سنه ومنذ ذلك الوقت فان ظل الارض موجود ويمتد ووصل الان طوله بطول خمسة بلايين سنه ضوئية ، ولكون الارض تطوف حول الشمس فان هذا الظل متحرك مع حركة الارض وظل الكواكب مع حركة الكواكب ، ولأنه لا يوجد أي كوكب ساكن في الكون ابدا فان الظل وكل ظل لكل كوكب او قمر او مذنب هو متحرك ، وبالنسبة للأرض فان الظل على شكل حلزوني وهذا الحلزون يتوسع حلقة بعد حلقة وبين الحلقة والتي تليها سنه ضوئية كاملة أي ان هناك خمسة بلايين حلقة على شكل حلزوني رأسه الارض ومركزه الشمس ويتوسع كل عام حلقة (وهنا الامر تقريبي على اساس ان دورة الارض حول الشمس هي بنفس الطول الزمني ولم تتغير ) وهذا التمدد مستمر الى قيام الساعة ( انظر الشكل رقم 9أ ) ولكل كوكب ظله

 

2

الشكل رقم 9أ

شكل مبسط يوضح الشمس في الوسط والارض تدور حولها وظل الارض يدور حلزونيا

وينتشر هذا الظل بنفس الطريقة ويستمر ما دام الكون مستمرا كذلك ، ولن يفنى هذا الظل ابدا الى حين امره سبحانه وتعالى بنهاية الكون ، ولازلنا نرى ضل كواكب تدور حول نجوم (شموس)بعيدة جدا الى يومنا ونراه كنقطة سوداء تمر امام النجم .

ولكن لو فرضنا ان الكرة الارضية توقفت عن الدوران حول الشمس فان ظل الارض سيتوقف عن الحركة ( وهذا مجرد فرضية ) ولكن كيف سنعرف ان ظل الارض توقف فالظل لا يرى الا اذا مر به شيء ، نعم نستطيع معرفة ان ظل الارض توقف لان الشمس هي المضيئة فالشمس هي الدليل عليه ونستطيع من مراقبة موقعنا من الشمس لمعرفة ان ظلنا توقف لذا يقول سبحانه وتعالى (وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا. )والظل هنا لا يقصد به المشاهد من ظل الاشياء على الارض لأنه لو كان كذلك لما ذكر الشمس ولذكر الضوء عليه دليلا حيث ان الفانوس او السراج او النار او أي مصدر اضاءه سيكون ظل ، فذكر الشمس يؤيد ان المقصود هو ضل الاجرام السماوية، ولكن الارض والشمس لم يتوقفا فهنا عندما قال سبحانه وتعالى (وَلَوْ شَاء ) تعنى ان الارض لم تتوقف عن الدوران حول الشمس وان الكون مستمر على ما هو معروف عندنا ، ولكن في نفس الوقت هذا يعنى ان الامر ممكن الحدوث في كوننا ، فكيف يمكن ان تتوقف الارض ثم كيف يمكن ان يقبض ظلها .

1.jpg.png

 

ونحن قلنا انه خالد ؟ لقد وجد العلماء ان وصف واحدا او صورة واحدة يحدث بها كل ذلك أي توقف ظل الارض وقبضة ، فلو اقتربت مجموعتنا الشمسية من ثقب اسود ( وهذا افتراض غير موجود الان ولا يمكن ان يحدث في المدى المنظور ) فماذا سيحدث ؟

 

9

الثقب الاسود يجذب اليه ضوء الشمس وضل الارض

 

سنرى اولا ان الارض ستتوقف عن الدوران حول الشمس بسبب قوة الجذب الشديدة للثقب الاسود على المجموعة الشمسية ويحدث ذلك لكل الكواكب ، ثانيهما ان ضوء الشمس سينجذب نحو الثقب الاسود أي ان ظل الارض سيتجه نحو الثقب الاسود بعد ان توقف مع توقف الارض عن الدوران وسيكون الظل مسحوبا ، مقبوضا ، فانيا في الثقب الاسود ، وقد يحدث ذلك ولكن بعد بلايين السنيين ، أي هو امرا ممكن الحدوث علميا وليس خياليا ، ولن يكون سريعا فان الشمس اذا انجذبت من ثقب اسود قد تحتاج الى عدة ملايين من السنيين لتصل اليه وتنهار بعدها وبالرجوع الى الصورة الثالثة,

فان الحلقة الحمراء هي حلقة الاسر أي ان كل نجم يصل الى هذه الحلقة سيأسر ولن يستطيع الافلات فاذا دخل النطاق الاصفر يبدا بالتسارع والدوران حول الثقب الاسود فيدخل الى الحلقة الخضراء ثم الزرقاء لينتهي في المركز ، وهذا الامر قد يحتاج الى ملايين السنين أي انه ليس كما نظن بان وصوله الى الثقب الاسود بيوم وليلة لان مسافات الكون كبيره جدا (الشكل رقم9ب)

 

6
الشكل رقم 9ب

مخطط يظهر نظام الثقب الأسود والحلقة الحمراء هي نطاق الأسر
والصفراء هي نطاق التعجيل

، الا ترى ان ذكر مثل هذا الامر غريب وعجيب في كتاب ظهر في قوم يسكنون صحراء مقفرة ولا يعرفون من الحضارة شيء ، ذلك لأنه من عند الله فاطر السموات والارض ويريد سبحانه وتعالى ان يجعل فيه ما يثبت صدق هذا الكتاب العظيم في عصر العلم والعلماء وتبقى معجزاته الداله على انه من عند الله .

انتهى البحث

اقوال المفسرين لمن يحب الرجوع اليها

التسهيل لعلوم التنزيل – الكلبى ج3/ص79
ألم تر إلى ربك أي إلى صنع ربك وقدرته مد الظل قيل مدة من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لأن الظل حينئذ على الأرض كلها واعترضه ابن عطية لأن ذلك الوقت من الليل ولا يقال ظل بالليل واختار أن مد الظل من الإسفار إلى طلوع الشمس وبعد مغيبها بيسير وقيل معنى مد الظل أي جعله يمتد وينبسط ولو شاء لجعله ساكنا أي ثابتا غير زائل لكنه جعله يزول بالشمس وقيل معنى ساكن غير منبسط على الأرض بل يلتصق بأصل الحائط والشجرة ونحوها ثم جعلنا الشمس عليه دليلا قيل معناه أن الناس يستدلون بالشمس وبأحوالها في سيرها على الظل متى يتسع ومتى ينقبض ومتى يزول عن مكان إلى آخر فيبنون على ذلك انتفاعهم به وجلوسهم فيه وقيل معناه لولا الشمس لم يعرف أن الظل شيء لأن الأشياء لم تعرف إلا بأضدادها ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا قبضه نسخه وإزالته بالشمس ومعنى يسيرا شيئا بعد شيء لا دفعة واحدة فإن قيل ما معنى ثم في هذه المواضع الثلاثة فالجواب أنه يحتمل أن تكون للترتيب في الزمان أي جعل الله هذه الأحوال حالا بعد حال أو تكون لبيان التفاضل بين هذه الأحوال الثلاثة وأن الثاني أعظم من الأول والثالث أعظم من الثاني

التفسير الكبير – الرازي ج2/ص99
ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا لفرقان 45 فصارت الشمس بحكمة الحق سبحانه وتعالى تطلع في وقت وتغيب في وقت بمنزلة سراج يدفع لأهل بيت بمقدار حاجتهم ثم يرفع عنهم ليستقروا ويستريحوا فصار النور والظلمة على تضادهما متعاونين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم هذا كله في طلوع الشمس وغروبها أما ارتفاع الشمس وانحطاطها فقد جعله الله تعالى سببا لإقامة الفصول الأربعة ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد منه مواد الثمار ويلطف الهواء ويكثر السحاب والمطر ويقوي أبدان الحيوانات بسبب احتقان الحرارة الغريزية في البواطن وفي الربيع تتحرك الطبائع وتظهر المواد المتولدة في الشتاء فيطلع النبات وينور الشجر ويهيج الحيوان للسفاد وفي الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار وتنحل فضول الأبدان ويجف وجه الأرض ويتهيأ للبناء والعمارات وفي الخريف يظهر اليبس والبرد فتنتقل الأبدان قليلا قليلا إلى الشتاء فإنه إن وقع الانتقال دفعة واحدة هلكت الأبدان وفسدت وأما حركة الشمس فتأمل في منافعها فإنها لو كانت واقفة في موضع واحد لاشتدت السخونة في ذلك الموضع واشتد البرد في سائر المواضع لكنها تطلع في أول النهار من المشرق فتقع على ما يحاذيها من وجه المغرب ثم لا تزال تدور وتغشى جهة بعد جهة حتى تنتهي إلى الغروب فتشرق على الجوانب الشرقية فلا يبقى موضع مكشوف إلا ويأخذ حظا من شعاع الشمس وأيضا كأن الله تعالى يقول لو وقفت في جانب الشرق والغنى قد رفع بناءه على كوة الفقير فكان لا يصل النور إلى الفقير لكنه تعالى يقول إن كان الغني منعه نور الشمس فأنا أدير الفلك وأديرها عليه حتى يأخذ الفقير نصيبه وأما منافع ميلها في حركتها عن خط الاستواء فنقول لو لم يكن للكواكب حركة في الميل لكان التأثير مخصوصا ببقعة واحدة فكان سائر الجوانب يخلو عن المنافع الحاصلة منه وكان الذي يقرب منه متشابه الأحوال وكانت القوة هناك لكيفية واحدة فإن كانت حارة أفنت الرطوبات وأحالتها كلها إلى النارية ولم تتكون المتولدات فيكون الموضع المحاذي لممر الكواكب على كيفية وخط ما لا يحاذيه على كيفية أخرى اعلم أنه تعالى لما بين جهل المعرضين عن دلائل الله تعالى وفساد طريقهم في ذلك ذكر بعده أنواعا من الدلائل الدالة على وجود الصانع
النوع الأول الاستدلال بحال الظل في زيادته ونقصانه وتغيره من حال إلى حال وفيه مسائل
المسألة الأولى قوله ألم تر فيه وجهان أحدهما أنه من رؤية العين والثاني أنه من رؤية القلب يعني العلم فإن حلمناه على رؤية العين فالمعنى أم تر إلى الظل كيف مده ربك وإن كان تخريج لفظه على عادة العرب أفصح وإن حملناه على العلم وهو اختيار الزجاج فالمعنى ألم تعلم وهذا أولى وذلك أن الظل إذا جعلناه من المبصرات فتأثير قدرة الله تعالى في تمديده غير مرئي بالاتفاق ولكنه معلوم من حيث إن كل متغير جائز فله مؤثر فحمل هذا اللفظ على رؤية القلب أولى من هذا الوجه
المسألة الثانية المخاطب بهذا الخطاب وإن كان هو الرسول عليه السلام بحسب ظاهر اللفظ ولكن الخطاب عام في المعنى لأن المقصود من الآية بيان نعم الله تعالى بالظل وجميع المكلفين مشتركون في أنه يجب تنبههم لهذه النعمة وتمكنهم من الاستدلال بها على وجود الصانع
المسألة الثالثة الناس أكثروا في تأويل هذه الآية والكلام الملخص يرجع إلى وجهين
الأول أن الظل هو الأمر المتوسط بين الضوء الخالص وبين الظلمة الخالصة وهو ما بين ظهور الفجر إلى طلوع الشمس وكذا الكيفيات الحاصلة داخل السقف وأفنية الجدران وهذه الحالة أطيب الأحوال لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع وينفر عنها الحس وأما الضوء الخالص وهو الكيفية الفائضة من الشمس فهي لقوتها تبهر الحس البصري وتفيد السخونة القوية وهي مؤذية فإذن أطيب الأحوال هو الظل ولذلك وصف الجنة به فقال وظل ممدود الواقعة 30 وإذا ثبت هذا فنقول إنه سبحانه بين أنه من النعم العظيمة والمنافع الجليلة ثم إن الناظر إلى الجسم الملون وقت الظل كأنه لا يشاهد شيئا سوى الجسم وسوى اللون ونقول الظل ليس أمرا ثالثا ولا يعرف به إلا إذا طلعت الشمس ووقع ضوؤها على الجسم زال ذلك الظل فلولا الشمس ووقوع ضوئها على الأجرام لما عرف أن للظل وجودا وماهية لأن الأشياء إنما تعرف بأضدادها فلولا الشمس لما عرف الظل ولولا الظلمة لما عرف النور فكأنه سبحانه وتعالى لما طلع الشمس على الأرض وزال الظل فحينئذ ظهر للعقول أن الظل كيفية زائدة على الجسم واللون فلهذا قال سبحانه ثم جعلنا الشمس عليه دليلا أي خلقنا الظل أولا بما فيه من المنافع واللذات ثم إنا هدينا العقول إلى معرفة وجوده بأن أطلعنا الشمس فكانت الشمس دليلا على وجود هذه النعمة ثم قبضناه أي أزلنا الظل لا دفعة بل يسيرا يسيرا فإن كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصان الظل في جانب المغرب ولما كان الحركات المكانية لا توجد دفعة بل يسيرا يسيرا فكذا زوال الإظلال لا يكون دفعة بل يسيرا يسيرا ولأن قبض الظل لو حصل دفعة لاختلت المصالح ولكن قبضها يسيرا يسيرا يفيد معه أنواع مصالح العالم هذا أحد التأويلين
التأويل الثاني وهو أنه سبحانه وتعالى لما خلق الأرض والسماء وخلق الكواكب والشمس والقمر وقع الظل على الأرض ثم إنه سبحانه خلق الشمس دليلا عليه وذلك لأن بحسب حركات الأضواء تتحرك الأظلال فإنهما متعاقبان متلازمان لا واسطة بينهما فبمقدار ما يزداد أحدهما ينقص الآخر وكما أن المهتدي يهتدي بالهادي والدليل ويلازمه فكذا الأظلال كأنها مهتدية وملازمة للأضواء فلهذا جعل الشمس دليلا عليها
وأما قوله ثم قبضنـاه إلينا قبضا يسيرا فأما أن يكون المراد منه انتهاء الأظلال يسيرا يسيرا إلى غاية نقصاناتها فسمى إزالة الأظلال قبضا لها أو يكون المراد من قبضها يسيرا قبضها عند قيام الساعة وذلك بقبض أسبابها وهي الأجرام التي تلقي الأظلال وقوله يسيرا هو كقوله ذلك حشر علينا يسير ق 44 فهذا هو التأويل الملخص
المسألة الرابعة وجه الاستدلال به على وجود الصانع المحسن أن حصول الظل أمر نافع للأحياء والعقلاء وأما حصول الضوء الخالص أو الظلمة الخالصة فهو ليس من باب المنافع فحصول ذلك الظل إما أن يكون من الواجبات أو من الجائزات والأول باطل وإلا لما تطرق التغير إليه لأن الواجب لا يتغير فوجب أن يكون من الجائزات فلا بد له في وجوده بعد العدم وعدمه بعد الوجود من صانع قادر مدبر محسن يقدره بالوجه النافع وما ذاك إلا من يقدر على تحريك الأجرام العلوية وتدبير الأجسام الفلكية وترتيبها على الوصف الأحسن والترتيب الأكمل وما هو إلا الله سبحانه وتعالى فإن قيل الظل عبارة عن عدم الضوء عما شأنه أن يضيء فكيف استدل بالأمر العدمي على ذاته وكيف عده من النعم قلنا الظل ليس عدما محضا بل هو أضواء مخلوطة بظلم والتحقيق أن الظل عبارة عن الضوء الثاني وهو أمر وجودي وفي تحقيقه وبسطه كلام دقيق يرجع فيه إلى كتبنا العقلية

الدر المنثور – السيوطي ج6/ص261
قوله تعالى ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا وهو الذي جعل لكم اليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا

أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ألم تر إلى ربك كيف مد الظل قال بعد الفجر قبل ان تطلع الشمس
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ألم تر إلى ربك كيف مد الظل الآية
قال ألم تر انك اذا صليت الفجر كان ما بين مطلع الشمس إلى مغربها ظلا ثم بعث الله عليه الشمس دليلا فقبض الله الظل
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ألم تر إلى ربك كيف مد الظل قال ما بين طلوع الشمس ولو شاء لجعله ساكنا قال دائما ثم جعلنا الشمس عليه دليلا يقول طلوع الشمس ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا قال سريعا
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي
عن مجاهد ألم تر إلى ربك كيف مد الظل قال ظل الغداة قبل طلوع الشمس ولو شاء لجعله ساكنا قال لا تصيبه الشمس ولا يزول ثم جعلنا الشمس عليه دليلا قال تحويه ثم قبضناه إلينا فاجوينا الشمس اياه قبضا يسيرا قال خفيفا
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن ألم تر إلى ربك كيف مد الظل قال مده من المشرق إلى المغرب فيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ولو شاء لجعله ساكنا قال تركه كما هو ظلا ممدودا ما بين المشرق والمغرب
وأخرج ابن أبي حاتم عن أيوب بن موسى ألم تر إلى ربك كيف مد الظل قال الأرض كلها ظل
ما بين صلاة الغداة إلى طلوع الشمس ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا قال قليلا قليلا
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم التيمي والضحاك وأبي مالك الغفاري في قوله كيف مد الظل قالوا ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ثم جعلنا الشمس عليه دليلا قالوا على الظل ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا يعني ما تقبض الشمس من الظل
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية كيف مد الظل قال من حين يطلع الفجر إلى حين تطلع الشمس

الكشاف – الزمخشري ج3/ص288
ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شآء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضنـاه إلينا قبضا يسيرا 2

سبيلا ألم تر إلى ربك ألم تنظر إلى صنع ربك وقدرته ومعنى مد الظل أن جعله يمتد وينبسط فينتفع به الناس ولو شاء لجعله ساكنا أي لاصقا بأصل كل مظل من جبل وبناء وشجرة غير منبسط فلم ينتفع به أحد سمي انبساط الظل وامتداده تحركا منه وعدم ذلك سكونا ومعنى كون الشمس دليلا أن الناس يستدلون بالشمس وبأحوالها في مسيرها على أحوال الظل من كونه ثابتا في مكان زائلا ومتسعا ومتقلصا فيبنون حاجتهم إلى الظل واستغناءهم عنه على حسب ذلك وقبضه إليه أنه ينسخه بضح الشمس يسيرا أي على مهل وفي هذا القبض اليسير شيئا بعد شيء من المنافع ما لا يعد ولا يحصر ولو قبض دفعة واحدة لتعطلت أكثر مرافق الناس بالظل والشمس جميعا فإن قلت ثم في هذين الموضعين كيف موقعها قلت موقعها لبيان تفاضل الأمور الثلاثة كان الثاني أعظم من الأول والثالث أعظم منهما تشبيها لتباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت ووجه آخر وهو أنه مد الظل حين بنى السماء كالقبة المضروبة ودحا الأرض تحتها فألقت القبة ظلها على الأرض فينانا ما في أديمه جوب لعدم النير ولو شاء لجعله ساكنا مستقرا على تلك الحالة ثم خلق الشمس وجعلها على ذلك الظل أي سلطها عليه ونصبها دليلا متبوعا له كما يتبع الدليل في الطريق فهو يزيد بها وينقص ويمتد ويتقلص ثم نسخه بها فقبضه قبضا سهلا يسيرا غير عسير ويحتمل أن يريد قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهي الأجرام التي تلقى الظل فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام أسبابه كما ذكر إنشاءه بإنشاء إسبابه وقوله قبضناه إلينا يدل عليه وكذلك قوله يسيرا كما قال ذلك حشر علينا يسير ق 44

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز – الأندلسي ج4/ص212
تر معناه انتبه والرؤية ها هنا رؤية القلب وأدغم عيسى بن عمر ربك كيف قال أبو حاتم والبيان أحسن و مد الظل بإطلاق هو بين أول الإسفار إلى بزوغ الشمس ومن بعد مغيبها مدة يسيرة فإن في هذين الوقتين على الأرض كلها ظل ممدود على أنها نهار وفي سائر أوقات النهار ظلال متقطعة والمد والقبض مطرد فيها وهو عندي المراد في الآية والله أعلم وفي الظل الممدود ما ذكر الله في هواء الجنة لأنها لما كانت لا شمس فيها كان ظلها ممدودا أبدا
وتظاهرت أقوال المفسرين على أن مد الظل هو من الفجر إلى طلوع الشمس وهذا معترض بأن ذلك في غير نهار بل في بقايا الليل لا يقال له ظل وقوله تعالى ولو شاء لجعله ساكنا أي ثابتا غير متحرك ولا منسوخ لكنه جعل الشمس ونسخها إياه وطردها له من موضع إلىموضع دليلا عليه مبينا لوجوده ولوجه العبرة فيه حكى الطبري أنه لولا الشمس لم يعلم أن الظل شيء الأشياء إنما تعرف بأضدادها وقوله قبضا يسيرا يحتمل أن يريد لطيفا أي شيئا بعد شيء لا في مرة واحدة ولا بعنف قال مجاهد ويحتمل أن يريد معجلا وهذا قول ابن عباس ويحتمل أن يريد سهلا قريب المتناول

تفسير أبي السعود ج6/ص222
ألم تر إلى ربك بيان لبعض دلائل التوحيد إثر بيان جهالة المعرضين عنها وضلالتهم والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والهمزة للتقرير والتعرض لعنوان الربوبية مع الأضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لتشريفه صلى الله عليه وسلم وللإيذان بأن ما يعقبه من آثار ربوبيته ورحمته تعالى أي ألم تنظر إلى بديع صنعه تعالى كيف مد الظل أي كيف أنشأ ظل أي مظل كان من جبل أو بناء أو شجر عند إبتداء طلوع الشمس ممتدا لا أنه تعالى مده بعد أن لم يكن كذلك كما بعد نصف النهار إلى غروبها فإن ذلك مع خلوه عن التصريح بكون نفسه بإنشائه تعالى وإحداثه يأباه سياق النظم الكريم وأم ما قيل من أن المراد بالظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وأنه أطيب الأوقات فإن الظلمة الخالصة تنفر عنها الطباع وشعاع الشمس يسخن الجو ويبهر البصر ولذلك وصف به الجنة في قوله تعالى وظل ممدود فغير سديد إذ لاريب في أن المراد تنبيه الناس على عظيم قدرة الله عز وجل وبالغ حكمته فيما يشاهدونه فلا بد أن يراد بالظل ما يتعارفونه من حالة مخصوصة يشاهدونها في موضع يحول بينه وبين الشمس جسم كثيف مخالفة لما في جوانبه من مواقع ضح الشمس وما ذكر وإن كان في الحقيقة ظلا للأفق الشرقي لكنهم لا يعدونه ظلا ولا يصفونه بأوصافه المعهودة ولعل توجيه الرؤية إليه سبحانه وتعالى مع ان المراد تقرير رؤيته صلى الله عليه وسلم لكيفة مد الظل للتنبيه على أن نظره صلى الله عليه وسلم غير مقصور على ما يطالعه من الآثار والصنائع بل مطمح أنظاره معرفة شئون الصانع المجيد وقوله تعالى ولو شاء لجعله ساكنا جملة إعترضت بين المعطوفين للتنبيه من أول الأمر على أنه لا مدخل فيما ذكر من المد للأسباب العادية وإنما المؤثر فيه المشيئة والقدرة ومفعول المشيئة محذوف على القاعدة المستمرة من وقوعها وكون مفعولها مضمون الجزاء أي ولو شاء سكونه لجعله ساكنا أي ثابتا على حاله من الطول والإمتداد وإنما عبر عن ذلك بالسكون لما أن مقابله الذي هو تغير حاله حسب تغير الأوضاع بين المضل وبين الشمس يرى رأي العين حركه وانتقالا وحاصله أنه لا يعتريه اختلاف حال بأن لا تنسخه الشمس وأما التعليل بأن يجعل الشمس مقيمة على وضع واحد فمداره الغفول عما سيق له النظم الكريم ونطق به صريحا من بيان كمال قدرته القاهرة وحكمته الباهرة بنسبة جميع الأمور الحادثة إليه تعالى الذات وإسقاط الأسباب العادية عن رتبة السببية والتأثير بالكلية وقصرها على مجرد الدلالة على وجود المسببات لا بذكر قدرته تعالى على بعض الخوارق كإقامة الشمس في مقام واحد على أنها أعظم من إبقاء الظل على حاله في الدلالة على ما ذكر من كمال القدرة والحكمة مكونه من فروعها ومستتبعاتها فهي أولى وأحق بالإيراد في معرض البيان وقوله تعالى ثم جعلنا الشمس عليه دليلا عطف على مد داخل في حكمه أي جعلناها علامة يستدل بأحوالها المتغيرة على أحواله من غير أن يكون بينهما سببية وتأثير قطعا حسبما نطق به الشرطية المعترضة والإلتفات إلى نون العظمة لما في الجعل المذكور العاري عن التأثير مع ما يشاهد بين الشمس والظل من الدوران المطرد المنبىء عن السببيه من مزيد دلالة على عظم القدرة ودقة الحكمة وهو السر في إيراد كلمة التراخي وقوله تعالى ثم قبضناه عطف على مد داخل في حكمه وثم للتراخي الزماني لما أن في بيان كون القبض والمد مر تبين دائرين على قطب مصالح المخلوقات مزيد دلالة على الحكمة الربانية ويجوز أن تكون للتراخي الرتبي أى أزلناه بهد ما أنشأناه ممتدا ومحوناه بمحص قدرتنا ومشيئتنا عند إيقاع شعاع الشمس موقعة من غير أن يكون له تأثير في ذلك أصلا وإنما عبر عنه بالقبض المنبىء عن جميع المنبسط وطيه لما أنه قد عبر عن إحداثه بالمد الذي هو البسط طولا وقوله تعالى إلينا للتنصيص على كون مرجعه إليه تعالى كما أن حدوثه منع عز وجل قبضا يسيرا أي على مهل قليلا حسب ارتفاع دليله على وتيرة معينة مطردة مستتبعة لمصالح المخلوقات ومرافقها وقبل إن الله تعالى حين بنى السماء كالقبلة المضروبة ودحا الأرض تحتها ألقت القبة طلها على الأرض لعدم النير وذلك مدة تعالى إياه ولو شاء لجعله ساكنا مستقرا على تلك الحالة ثم خلق الشمس وجعلها على ذلك الظل أي سلطها عليه ونصبها دليلا متبوعا له كما يتبع الدليل في الطريق فهو يزيد بها وينقص ويمتد ويقلص ثم نسخه بها فقبضه قبضا سهلا يسيرا غير عسيرا وقبضا سهلا عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهي الإجرام التي تلقى الظل فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام أسبابه كما ذكر إنشاؤه بإنشائها ووصفه باليسر على طريقة قوله تعالى ذلك حشر علينا يسير وصيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع

تفسير ابن كثير ج3/ص321
ألم تر إلى ربك كيف مد الظل قال بن عباس وبن عمر وأبو العالية وأبو مالك ومسروق ومجاهد وسعيد بن جبير والنخعي والضحاك والحسن وقتادة هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ولو شاء لجعله ساكنا أي دائما لا يزول كما قال تعالى قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا الآيات وقوله تعالى ثم جعلنا الشمس عليه دليلا أي لولا أن الشمس تطلع عليه لما عرف فإن الضد لا يعرف إلا بضده وقال قتادة والسدي دليلا تتلوه وتتبعه حتى تأتي عليه كله وقوله تعالى ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا أي الظل وقيل الشمس يسيرا أي سهلا قال بن عباس سريعا وقال مجاهد خفيا وقال السدي قبضا خفيا حتى لا يبقى في الأرض ظل إلا تحت سقف أو تحت شجرة وقد أظلت الشمس ما فوقه وقال أيوب بن موسى في الآية قبضا يسيرا قليلا قليلا

تفسير البغوي ج3/ص370
ألم تر إلى ربك كيف مد الظل معناه ألم تر إلى مد ربك الظل وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس جعله ممدودا لأنه ظل لا شمس معه كما قال في ظل الجنة وظل ممدود لم يكن معه شمس ولو شاء لجعله ساكنا أي دائما ثابتا لا يزول ولا تذهبه الشمس قال أبو عبيدة الظل ما نسخته الشمس وهو بالغداة والفيء ما نسخ الشمس وهو بعد الزوال سمي فيئا لأنه فاء من جانب المشرق إلى جانب المغرب ثم جعلنا الشمس عليه دليلا يعني على الظل ومعنى دلالتها عليه أنه لو لم تكن الشمس لما عرف الظل ولولا النور لما عرفت الظلمة والأشياء تعرف بأضدادها ثم قبضناه يعني الظل إلينا قبضا يسيرا بالشمس التي تأتي عليه والقبض جمع المنبسط من الشيء معناه أن الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس فإذا طلعت الشمس قبض الله الظل جزءا فجزءا قبضا يسيرا أي خفيا

تفسير البيضاوي ج4/ص220
ألم تر إلى ربك ألم تنظر إلى صنعه كيف مد الظل كيف بسطه أو ألم تنظر إلى الظل كيف مده ربك فغير النظم إشعارا بأنه المعقول من هذا الكلام لوضوح برهانه وهو دلالة حدوثه وتصرفه على الوجه النافع بأسباب ممكنة على أن ذلك فعل الصانع الحكيم كالمشاهد المرئي فكيف بالمحسوس منه أو ألم ينته علمك إلى أن ربك كيف مد الظل وهو فيما بين طلوع الفجر والشمس وهو أطيب الأحوال فإن الظلمة الخالصة تنفر الطبع وتسد النظر وشعاع الشمس يسخن الجو ويبهر البصر ولذلك وصف به الجنة فقال وظل ممدود و ولو شاء لجعله ساكنا ثابتا من السكنى أو غير متقلص من السكون بأن يجعل الشمس مقيمة على وضع واحد ثم جعلنا الشمس عليه دليلا فإنه لا يظهر للحس حتى تطلع فيقع ضوؤها على بعض الأجرام أو لا يوجد ولا يتفاوت إلا بسبب حركتها ثم قبضناه إلينا أي أزلناه بإيقاع الشمس موقعه لما عبر عن أحداثه بالمد بمعنى التسيير عبر عن إزالته بالقبض إلى نفسه الذي هو في معنى الكف قبضا يسيرا قليلا قليلا حسبما ترتفع الشمس لينتظم بذلك مصالح الكون ويتحصل به ما لا يحصى من منافع الخلق و ثم في الموضعين لتفاضل الأمور أو لتفاضل مبادئ أوقات ظهورها وقيل مد الظل لما بنى السماء بلا نير ودحا الأرض تحتها فألقت عليها ظلها ولو شاء لجعله ثابتا على تلك الحالة ثم خلق الشمس عليها دليلا أي مسلطا عليه مستتبعا إياه كما يستتبع إياه كما يستتبع الدليل المدلول أو دليل الطريق من يهديه فإنه يتفاوت بحركتها ويتحول بتحولها ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا شيئا فشيئا إلى أن تنتهي غاية نقصانه أو قبضا سهلا عند قيام الساعة يقبض أسبابه من الأجرام المظلة والمظل عليها

تفسير الثعالبي ج3/ص136
الم تر الى ربك كيف مد الظل الاية مد الظل باطلاق هو ما بين اول الاسفار إلى بزوغ الشمس ومن بعد مغيبها ايضا وقتا يسيرا فان فى هذين الوقتين على الارض كلها ظلا ممدودا
ولو شاء لجعله ساكنا اي ثابتا غير متحرك ولا منسوخ لكنه جعل الشمس ونسخها اياه وطردها له من موضع الى موضع دليلا عليه مبينا لوجوده ولوجه العبرة فيه وحكى الطبرى انه لولا الشمس لم يعلم ان الظل شىء اذ الاشياء انما تعرف بأضدادها
وقوله تعالى قبضا يسيرا يحتمل ان يريد لطيفا اي شيأ بعد شىء لافى مرة واحدة قال الداودى قال الضحاك قبضا يسيرا يعنى الظل اذا علته الشمس

تفسير الثوري ج1/ص227
حدثنا سفين عن منصور عن مجاهد في قوله ألم تر إلى ربك كيف مد الظل قال طلوع الفجر الآية 45
73559 5 9 سفين عن سعيد عن مجاهد في قوله ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا قال خفيا ا

تفسير الجلالين ج1/ص476
ألم تر تنظر إلى فعل ربك كيف مد الظل من وقت الإسفار إلى وقت طلوع الشمس ولو شاء ربك لجعله ساكنا مقيما لا يزول بطلوع الشمس ثم جعلنا الشمس عليه أي الظل دليلا فلولا الشمس ما عرف الظل
46 ثم قبضناه أي الظل الممدود إلينا قبضا يسيرا خفيا بطلوع الشمس

تفسير السعدي ج1/ص584
أي ألم تشاهد ببصرك وبصيرتك كمال قدرة ربك وسعة رحمته أنه مد على العباد الظل وذلك قبل طلوع الشمس ثم جعلنا الشمس عليه أي على الظل دليلا فلولا وجود الشمس لما عرف الظل فإن الضد يعرف بضده ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا فكلما ارتفعت الشمس تقلص الظل شيئا فشيئا حتى يذهب بالكلية فتوالي الظل والشمس على الخلق الذي يشاهدونه عيانا وما يترتب على ذلك من اختلاف الليل والنهار وتعاقبهما وتعاقب الفصول وحصول المصالح الكثيرة بسبب ذلك ـ من أدل دليل على قدرة الله وعظمته وكمال رحمته وعنايته بعباده وأنه وحده المعبود المحمود المحبوب المعظم ذو الجلال والإكرام

تفسير السمرقندي ج2/ص540
ألم تر إلى ربك كيف مد الظل قال بعضهم فيه تقديم ومعناه ألم تر إلى الظل كيف مده ربك وقال بعضهم فيه مضمر ومعناه ألم تر إلى صنع ربك كيف مد الظل يعني بسط الظل بعد إنفجار الصبح إلى طلوع الشمس ولو شاء لجعله ساكنا يعني دائما كما هو لا شمس معه كما يكون في الجنة ظل ممدود ويقال تلك الساعة تشبه ساعات الجنة إلا أن الجنة أنور ثم جعلنا الشمس عليه دليلا حيث ما تكون الشمس يظهر الظل وقال القتبي إنما يكون دليلا لأنه لو لم تكن الشمس لم يعرف الظل لأن الأشياء تعرف بأضدادها ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا أي الظل بعد غروب الشمس وذلك أن الشمس إذا غابت عاد الظل وذلك وقت قبضه لأن ظل الشمس بعد غروب الشمس لا يذهب كله جملة وإنما يقبض الله ذلك الظل قبضا خفيا شيئا بعد شيء فدل الله تعالى بهذا الوصف على قدرته ولطفه في معاقبته بين الظل والشمس لمصالح عباده وبلاده ويقال ثم قبضناه أي قبضناه سهلا ويقال يسيرا عند طلوع الشمس ويقال ثم قبضناه يسيرا يعني هينا سهلا ويقال يسيرا يعني خفيا فلا يدري أحد أن يصير وكيف يصير ويقال ثم قبضناه يعني رفعناه رفعا خفيفا
ويقال قوله ثم جعلنا الشمس عليه دليلا أي على الأوقات في النهار ليعرف زوال الشمس وأوقات الصلاة

تفسير السمعاني ج4/ص22
قوله تعالى ألم تر إلى ربك منهم من قال هذا على التقديم والتأخير ومعناه ألم تر إلى الظل كيف مده ربك وقيل هو على ظاهره ومعنى الرؤية هو العلم قال الشاعر
أريني جوادا مات هزلا لعلنيأرى ما ترين أو بخيلا مخلدا
واختلفوا في هذا الظل فالأكثرون على أنه الظل من وقت طلوع الصبح إلى وقت طلوع الشمس والقول الثاني أنه من وقت غروب الشمس إلى وقت طلوعها والظل هو ظل الأرض يقبل عند غروب الشمس ويدبر عند طلوعها
وقوله ولو شاء لجعله ساكنا أي دائما
وقوله ثم جعلناه الشمس عليه دليلا أي ثم جعلنا الشمس دليلا على الظل فإن الظل يعرف بالشمس والنور يعرف بالظلمة والليل بالنهار وكذلك كل الأشياء تعرف بأضدادها القبض جمع المنبسط من الشيء ومعناه أن الظل يعم الأرض مثل طلوع الشمس فإذا طلعت الشمس قبض الظل بالشمس جزءا فجزءا فيقال وقت قبض الظل عند الاستواء حتى لا يبقى ظل في العالم إلا على موضع لا تكون الشمس مستوية عليه
وقوله يسيرا أي هينا وقال مجاهد خفيا وهو أصح القولين

تفسير الصنعاني ج3/ص70
عبد الرزاق عن معمر عن الحسن وقتادة في قوله ألم تر إلى ربك كيف مد الظل قالا مد الظل من حين يطلع الفجر إلى أن تطلع الشمس فذلك مد الظل

تفسير الطبري ج19/ص19
يقول في قوله ألم تر إلى ربك كيف مد الظل يعني من صلاة الغداة إلى طلوع الشمس
قوله ولو شاء لجعله ساكنا يقول ولو شاء لجعله دائما لا يزول ممدودا لا تذهبه الشمس ولا تنقصه
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
ذكر من قال ذلك حدثني علي قال ثنا أبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن بن عباس قوله ولو شاء لجعله ساكنا يقول دائما
حدثني محمد بن عمرو قال ثنا أبو عاصم قال ثنا عيسى وحدثني الحارث قال ثنا الحسن قال ثنا ورقاء جميعا عن بن أبي نجيح عن مجاهد قوله ولو شاء لجعله ساكنا قال لا تصيبه الشمس ولا يزول
حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال ثني حجاج عن بن جريج عن مجاهد ولو شاء لجعله ساكنا قال لا يزول
حدثني يونس قال أخبرنا بن وهب قال قال بن زيد في قوله ولو شاء لجعله ساكنا قال دائما لا يزول
وقوله ثم جعلنا الشمس عليه دليلا يقول جل ثناؤه ثم دللناكم أيها الناس بنسخ الشمس إياه عند طلوعها عليه أنه خلق من خلق ربكم يوجده إذا شاء ويفنيه إذا أراد والهاء في قوله عليه من ذكر الظل
ومعناه ثم جعلنا الشمس على الظل دليلا
قيل معنى دلالتها عليه أنه لو لم تكن الشمس التي تنسخه لم يعلم أنه شيء إذا كانت الأشياء إنما تعرف بأضدادها نظير الحلو الذي إنما يعرف بالحامض والبارد بالحار وما أشبه ذلك
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
ذكر من قال ذلك حدثني علي قال ثنا أبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن بن عباس قوله ثم جعلنا الشمس عليه دليلا يقول طلوع الشمس
حدثني محمد بن عمرو قال ثنا أبو عاصم ثنا عيسى وحدثني الحارث قال ثنا الحسن قال ثنا ورقاء جميعا عن بن أبي نجيح عن مجاهد ثم جعلنا الشمس عليه دليلا قال تحويه
حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال ثني حجاج عن بن جريج عن مجاهد مثله
حدثني يونس قال أخبرنا بن وهب قال قال بن زيد في قول الله ثم جعلنا الشمس عليه دليلا قال أخرجت ذلك الظل فذهبت به
وقوله ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا يقول تعالى ذكره ثم قبضنا ذلك الدليل من الشمس على الظل إلينا قبضا خفيا سريعا بالفيء الذي نأتي به بالعشي
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو قال ثنا أبو عاصم قال ثنا عيسى وحدثني الحارث قال ثنا الحسن قال ثنا ورقاء جميعا عن بن أبي نجيح عن مجاهد قوله ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا قال حوى الشمس الظل
وقيل إن الهاء التي في قوله ثم قبضناه إلينا عائدة على الظل وإن معنى الكلام ثم قبضنا الظل إلينا بعد غروب الشمس وذلك أن الشمس إذا غربت غاب الظل الممدود قالوا وذلك وقت قبضه
واختلف أهل التأويل في معنى قوله يسيرا فقال بعضهم معناه سريعا
ذكر من قال ذلك حدثني علي قال ثنا أبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن بن عباس قوله ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا يقول سريعا
وقال آخرون بل معناه قبضا خفيا
ذكر من قال ذلك حدثنا بن بشار قال ثنا عبد الرحمن قال ثنا سفيان عن عبد العزيز بن رفيع عن مجاهد ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا قال خفيا
حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال ثني حجاج قال قال بن جريج قبضا يسيرا قال خفيا قال إن ما بين الشمس والظل مثل الخيط واليسير الفعيل من اليسر وهو السهل الهين في كلام العرب
فمعنى الكلام إذ كان ذلك كذلك يتوجه لما روي عن بن عباس ومجاهد لأن سهولة قبض ذلك قد تكون بسرعة وخفاء
وقيل إنما قيل ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا لأن الظل بعد غروب الشمس لا يذهب كله دفعة ولا يقبل الظلام كله جملة وإنما يقبض ذلك الظل قبضا خفيا شيئا بعد شيء ويعقب كل جزء منه يقبضه جزء من الظلام

تفسير القرطبي ج13/ص37
قوله تعالى ألم تر إلى ربك كيف مد الظل يجوز أن تكون هذه الرؤية من رؤية العين ويجوز أن تكون من العلم وقال الحسن وقتادة وغيرهما مد الظل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وقيل هو من غيوبة الشمس إلى طلوعها والأول أصح والدليل على ذلك أنه ليس من ساعة أطيب من تلك الساعة فإن فيها يجد المريض راحة والمسافر وكل ذي علة وفيها ترد نفوس الأموات والأرواح منهم إلى الأجساد وتطيب نفوس الأحياء فيها وهذه الصفة مفقودة بعد المغرب وقال أبو العالية نهار الجنة هكذا وأشار إلى ساعة المصلين صلاة الفجر أبو عبيدة الظل بالغداة والفيء بالعشي لأنه يرجع بعد زوال الشمس سمي فيئا لأنه فاء من المشرق إلى جانب المغرب قال الشاعر وهو حميد بن ثور يصف سرحة وكنى بها عن امرأة فلا الظل من برد الضحا تستطيعه ولا الفيء من برد العشي تذوق وقال بن السكيت الظل ما نسخته الشمس والفيء ما نسخ الشمس وحكى أبو عبيدة عن رؤبة قال كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل ولو شاء لجعله ساكنا أي دائما مستقرا لا تنسخه الشمس بن عباس يريد إلى يوم القيامة وقيل المعنى لو شاء لمنع الشمس الطلوع ثم جعلنا الشمس عليه دليلا أي جعلنا الشمس بنسخها الظل عند مجيئها دالة على أن الظل شيء ومعنى لأن الأشياء تعرف بأضدادها ولولا الشمس ما عرف الظل ولولا النور ما عرفت الظلمة فالدليل فعيل بمعنى الفاعل وقيل بمعنى المفعول كالقتيل والدهين والخضيب أي دللنا الشمس على الظل حتى ذهبت به أي أتبعناها إياه فالشمس دليل أي حجة وبرهان وهو الذي يكشف المشكل ويوضحه ولم يؤنث الدليل وهو صفة الشمس لأنه في معنى الاسم كما يقال الشمس برهان والشمس حق ثم قبضناه يريد ذلك الظل الممدود إلينا قبضا يسيرا أي يسيرا قبضه علينا وكل أمر ربنا عليه يسير فالظل مكثه في هذا الجو بمقدار طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فإذا طلعت الشمس صار الظل مقبوضا وخلفه في هذا الجو شعاع الشمس فأشرق على الأرض وعلى الأشياء إلى وقت غروبها فإذا غربت فليس هناك ظل إنما ذلك بقية نور النهار وقال قوم قبضه بغروب الشمس لأنها ما لم تغرب فالظل فيه بقية وإنما يتم زواله بمجيء الليل ودخول الظلمة عليه وقيل إن هذا القبض وقع بالشمس لأنها إذا طلعت أخذ الظل في الذهاب شيئا فشيئا قاله أبو مالك وإبراهيم التيمي وقيل ثم قبضناه أي قبضنا ضياء الشمس بالفيء قبضا يسيرا وقيل يسيرا أي سريعا قاله الضحاك قتادة خفيا أي إذا غابت الشمس قبض الظل قبضا خفيا كلما قبض جزء منه جعل مكانه جزء من الظلمة وليس يزول دفعة واحدة فهذا معنى قول قتادة وهو قول مجاهد

تفسير النسفي ج3/ص171
ألم تر إلى ربك ألم تنظر إلى صنع ربك وقدرته كيف مد الظل أى بسطه فعم الأرض وذلك من حين طلوع الفجر إلى وقت طلوع الشمس فى قول الجمهور لأنه ظل ممدود لا شمس معه ولا ظلمة وهو كما قال فى ظل الجنة وظل ممدود لا شمس معه ولا ظلمة ولو شاء لجعله ساكنا أى دائما لا يزول ولا نذهبه الشمس ثم جعلنا الشمس عليه على الظل دليلا لأنه بالشمس يعرف الظل ولولا الشمس لما عرف الظل فالأشياء تعرف باضدادها ثم قبضناه أن أخذنا ذلك الظل الممدود إلينا إلى حيث أردنا قبضا يسيرا سهلا غير عسير أو قليلا قليلا أى جزأ فجزأ بالشمس التى تأتى عليه وجاء بثم لتفاضل ما بين الحوادث فى الوقت

تفسير الواحدي ج2/ص780
ألم تر ألم تعلم إلى ربك كيف مد الظل وقت الإسفار إلى وقت طلوع الشمس ولو شاء لجعله لجعل الظل ساكنا ثابتا دائما ثم جعلنا الشمس تفسير
عليه دليلا لأن بالشمس يعرف الظل 46
ثم قبضناه قبضنا الظل إلينا بارتفاع الشمس قبضا يسيرا قيل خفيا وقيل سهلا

تفسير مجاهد ج2/ص453
إلى ربك كيف مد الظل قال 2 مده من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس
أنبا عبد الرحمن ثنا إبراهيم نا آدم نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله ولو شاء لجعله ساكنا يقول لو شاء لجعل الظل لا تصيبه الشمس ولا تزول 3
أنبا عبد الرحمن نا إبراهيم نا آدم ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله دليلا قال تحويه
أنبا عبد الرحمن نا إبراهيم نا آدم نا مبارك بن فضالة عن الحسن ثم جعلنا الشمس عليه دليلا يقول تتلوه 4 أنا عبد الرحمن نا إبراهيم ثنا آدم ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله ثم قبضناه يعني حوى الشمس إياهتنوير المقباس من تفسير ابن عباس ج1/ص303
ألم تر إلى ربك ألم تنظر إلى صنع ربك كيف مد الظل كيف بسط الظل بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس من المشرق إلى المغرب ولو شاء لجعله ساكنا لتركه دائما يعني الظل لا شمس معه ثم جعلنا الشمس عليه على الظل دليلا حيثما تكون الشمس يكون الظل قبل ذلك ويقال دليلا تتلوه ثم قبضناه يعني الظل إلينا قبضا يسيرا هينا ويقال خفيا

روح المعاني – الألوسي ج19/ص25
ألم تر إلى ربك كيف مد الظل الخ بيان لبعض دلائل التوحيد إثر بيان جهالة المعرضين عنها وضلالهم والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والهمزة للتقرير والرؤية بصرية لأنها التي تتعدى بالى وفي الكلام مضاف مقدر حذف وأقيم المضاف اليه مقامه أي ألم تنظر الى ما صنع ربك لأنه ليس المقصود رؤية ذات الله عز وجل وكون إلى اسما واحدا الآلاء وهي النعم بعيد جدا وجوز أن تكون علمية وليس هناك مضاف مقدر وتعديتها بالى لتضمين معنى الانتهاء أي ألم ينته علمك الى أن ربك كيف مد الظل والأول أولى وذكر بعض الأجلة أنه يحتمل أن يكون حق التعبير ألم تر إلى الظل كيف مده ربك فعدل عنه إلى ما في النظم الجليل
إشعارا بأن المعقول المفهوم من هذا الكلام لوضوح برهانه وهو دلالة حدوثه وتصرفه على الوجه النافع بأسباب ممكنة على أن ذلك فعل الصانع الحكيم كالمشاهد المرئي فكيف بالمحسوس منه وقال الفاضل الطيبي لو قيل ألم تر الى الظل كيف مده ربك كان الانتقال من الأثر الى المؤثر والذي عليه التلاوة كان عكسه والمقام يقتضيه لأن الكلام في تقريع القوم وتجهيلهم في اتخاذهم الهوى إلها مع وضوح هذ الدلائل ولذلك جعل ما يدل على ذاته تعالى مقدما على أفعاله في سائر آياته وهو الذي جعل لكم الليل وهو الذي أرسل الرياح ولو شئنا لبعثنا وروى السلمي في الحقائق عن بعضهم مخاطبة العام أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت ومخاطبة الخاص ألم تر الى ربك انتهى وفي الأرشاد لعل توجيه الرؤية اليه سبحانه مع أن المراد تقرير رؤيته عليه الصلاة والسلام لكيفية مد الظل للتنبيه على أن نظره عليه الصلاة والسلام غير مقصور على ما يطالعه من الآثار والصنائع بل مطمح أنظاره صلى الله عليه وسلم معرفة شؤن الصانع المجيد جل جلاله ولعل هذا هو سر ما روي عن السلمي وقيل إن التعبير المذكور للاشعار بأن المقصود العلم بالرب علما يشبه الرؤية ونقل الطبرسي عن الزجاج أنه فسر الرؤية بالعلم وذكر أن الكلام من باب القلب والتقدير ألم تر إلى الظل كيف مده ربك ولا حاجة الى ذلك والتعرض لعنوان الربوبية مع الاضافة الى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه صلى الله عليه وسلم وللايذان بأن ما يعقبه من آثار ربوبيته تعالى ورحمته جل وعلا وكيف منصوب بمد على الحالية وهي معلقة لتر إن لم تكن الجملة مستأنفة وفي البحر أن الجملة الاستفهامية التي يتعلق عنها فعل القلب ليس باقية على حقيقة الاستفهام وفيه بحث وذكر بعض الأفاضل أن كيف للاستفهام وقد تجرد عن الاستفهام وتكون بمعنى الحال نحو أنظر الى كيف تصنع وقد جوزه الدماميني في هذ الآية على أنه بدل اشتمال من المجرور وهو بعيد انتهى ولا يخفى أنه يستغنى على ذلك عن اعتبار المضاف لكنه لايعادل البعد والمراد بالظل على مارواه جماعة عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن وأيوب بن موسى وابراهيم التيمي والضحاك وأبي مالك الغفاري وأبي العالية وسعيد بن جبير ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وذلك أطيب الأوقات فان الظلمة الخالصة تنفر عنها الطباع تسد النظر وشعاع الشمس يسخن الجو ويبهر البصر ومن هنا كان ظل الجنة مدودا كما قال سبحانه وظل ممدود وقيل المراد به مايكون من مقابلة كثيف كجبل أو بناء أو شجر للشمس عند ابتداء طلوعها ومد الظل من باب ضيق فم القربة فالمعنى ألم تنظر الى صنع ربك كيف أنشا ظلا أي مظلا كان عند ابتداء طلوع الشمس ممتدا الى ماشاء الله عز وجل واختاره شيخ الاسلام وتعقب ما تقدم بقوله غير سديد اذ لاريب في أن المراد تنبيه الناس على عظيم قدرة الله عز وجل وبالغ حكمته سبحانه فيما يشاهدونه فلابد أن يراد بالظل مايتعارفونه من حالة مخصوصة يشاهدونها في موضع يحول بينه وبين الشمس جسم مخالفة لما في جوانبه من مواقع ضح الشمس وما ذكر وان كان في الحقيقة ظلا للافق الشرقي لكنهم لايعدونه ظلا ولا يصفونه بأوصافه المعهودة اه وفيه منع ظاهر وهو أظهر على ماذكره أبو حيان في الاعتراض على ذلك من أنه لايسمى ظلا فقد قال الراغب وكفى به حجة في اللغة الظل ضد الضح وهو أعم من الفيء فانه يقال ظل الليل وظل الجنة ويقال لكل موضع لم تصل اليه الشمس ظل ولا يقال الفيء إلا لما زال عنه الشمس انتهى وظاهر قوله تعالى وظل ممدود في وصف الجنة يقتضي أنهم يعدون مثل ما ذكر ظلا وقيل هو ما كان من غروب الشمس الى طلوعها وحكي ذلك عن الجبائي والبلخي وقيل هو ما كان يوم خلق الله تعالى السماء وجعلها كالقبة ودحا الأرض من تحتها فالقت ظلها عليها وليس بشيء وإن فسر ألم تر بألم تعلم لما في تطبيق ما يأتي من تتمة الآية عليه من التكلف وارتكاب خلاف الظاهر وربما يفوت عليه المقصود الذي سيق له النظم الكريم وربما يختلج في بعض الاذهان جواز أن يراد به ما يشمل جميع ما يصدق عليه أنه ظل فيشمل ظل الليل وما بين الفجر وطلوع الشمس وظل الأشياء الكثيفة المقابلة للمشس كالجبال وغيرها فاذأ شرع في تطبيق الآية على ذلك عدل عنه كما لا يخفى وللصوفية في ذلك كلام طويل سنذكر إن شاء الله تعالى شيئا منه وجمهور المفسرين على الأول والقول الثاني أسلم من القال والقيل وقوله تعالى ولو شاء لجعله ساكنا جملة اعتراضية بين المتعاطفين للتنبيه من أول الأمر على أنه لامدخل للاسباب العادية من قرب الشمس إلى الأفق الشرقي على الأول أو قيام الشاخص الكثيف على الثاني وإنما المؤثر فيه حقيقة المشيئة والقدرة ومفعول المشيئة محذوف وهو مضمون الجزاء كما هو القاعدة المستمرة في أمثال هذا التركيب أي ولو شاء جعله ساكنا لجعله ساكنا أي ثابتا على حاله ظلا أبدا كما فعل عز وجل في ظل الجنة أو لجعله ثابتا على حاله من الطول والامتداد وذلك بأن لايجعل سبحانه للشمس على سخه سبيلا بأن يطلعها ولا يدعها تنسخه أو بأن لايدعها تنسخه أو بأن لايدعها تغيره باختلاف اوضاعها بعد طلوعها وقيل بأن يجعلها بعد الطلوع مقيمة على وضع واحد وليس بذاك وإنما عبر عن ذلك بالسكون قيل لما أن مقابلة الذي هو زواله لما كان تدريجيا كان أشبه شيء بالحركة وقيل لما أن مقابلة الذي هو تغير حاله حسب تغير الأوضاع بين الظل وبين الشمس يرى رأي العين حركة وانتقالا وأفاد الزمخشري أنه قوبل مد الظل الذي هو انبساطه وامتداده بقوله تعالى ساكنا والسكون إنما يقابل الحركة فيكون قد أطلق مد الظل على الحركة مجازا من باب تسمية الشيء باسم ملابسة أو سببه كما قرره الطيبي وذكر أنه عدل عن حرك إلى مد مع أنه اظهر من مد في تناوله الانبساط والامتداد دون الانبلاج وتمم معنى الادماج بقوله تعالى ثم قبضناه الينا قبضا يسيرا أي بالتدرج والمهل لمعرفة الساعات والأوقات وفيه لمحة من معنى قوله تعالى يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس اه ولا يبعد أن يقال إن التعبير بمد لما أن الظل المذكور ظل الافق الشرقي وقد اعتبر المشرق والمغرب طرفي جهتي الأرض طولا والشمال والجنوب طرفي جهتيها عرضا أو لأن طهوره في الأرض وطول المعمور منها الذي يسكنه من يشاهد الظل أكثر من عرض المعمور منها إذ الأول كما هو المشهور نصف دور أعني مائة وثمانين درجة والثاني دون ذلك على جميع الاقوال فيه فيكون الظل بالنظر إلى الرائين في المعمور من الأرض ممتدا ما بين جهتي شرقيةوغربية أكثر مما بين جهتي شمالية وجنوبية وربما يقال إن ذلك لما أن مبدأ الظل الفجر الأول وضوؤه يرى مستطيلا ممتدا كذنب السرحان ويلتزم القول بأنه لايذهب بالكلية وإن ضعف بل يبقى حتى يمده ضوء الفجر الثاني فيرى منبسطا والله تعالى أعلم وقوله سبحانه ثم جعلنا الشمس عليه دليلا عطف على مد داخل في حكمه أي ثم جعلنا طلوع الشمس دليلا على ظهوره للحس فان الناظر إلى الجسم الملون حال قيام عليه لايظهر له شيء سوى الجسم ولونه ثم إذا طلعت الشمس ووقع ضوؤها على الجسم ظهر له أن الظل كيفية زائدة على الجسم ولونه
والضد يظهر حالة الظد
قاله الرازي والطبري وغيرهما وقيل أي ثم جعلناها دليلا على وجود ه أي علة له لأن وجوده بحركة الشمس إلى الافق وقربها منه عادة ولا يخفى ما فيه أو ثم جعلناها علامة يستدل بأحوالها المتغيرة على أحواله من غير أن يكون بينهما سببية وتأثير قطعا حسبما نطق به الشرطية المعترضة ومن الغريب الذي لاينبغي أن يخرج عليه كلام الله تعالى المجيد أن على بمعنى مع أي ثم جعلنا الشمس مع الظل دليلا على وحدانيتنا على معنى جعلنا الظل دليلا وجعلنا الشمس دليلا على وحدانيتنا
والالتفات الى نون العظمة للايذان بعظم قدر هذا الجعل لما يستتبعه من المصالح التي لا تحصى أو لما في الجعل المذكور العاري عن التأثير مع ما يشاهد بين الظل والشمس من الدوران المطرد المنبيء عن السببية من مريد الدلالة على عظم القدرة ودقة الحكمة وثم إما للتراخي الرتبي ويعلم وجهه مما ذكر وإا للتراخي الزماني كما هو حقيقة معناها بناء على طول الزمان بين ابتداء الفجر وطلوع الشمس وقوله سبحانه ثم قبضناه الينا قبضا يسيرا عطف على مد داخل في حكمه أيضا أي ثم أزلناه بعدما أنشأناه ممتدا عند إيقاع شعاع الشمس وموقعه أو بايقاعه كذلك ومحوناه على مهل قليلا حسب سير الشمس وهذا ظاهر على القول بأن المراد بالظل ظل الشاخص من جبل ونحوه وأما على القول بان المراد به ما بين الطلوعين فلأنه إذا عم لايزول دفعة واحدة بطلوع الشمس في أفق لكروية الأرض واختلاف الآفاق فقد تطلع في افق ويزول ما عند أهله من الظل وهي غير طالعة في افق آخر وأهله في طرف من ذلك الظل ومتى ارتفعت عن الافق الأول حتى بانت من افقهم زال ما عندهم من الطل فزوال الظل بعد عمومه تدريجي كذا قيل وقيل لاحاجة إلى ذلك فان زواله تدريجي نظرا إلى أفق واحد أيضا بناء على أنه يبقى منه بعد طلوع الشمس مالم يقع على موقعه شعاعها المانع جبل ونحوه ويزول ذلك تدريجيا حسب حركة الشمس ووقوع شعاعها على مالم يقع عليه ابتداء طلوعها وكأن التعبير عن تلك الازالة بالقبض وهو كما قال الطبرسي جمع الأجزاء المنبسطة لما أنه قد عبر عن الاحداث بالمد وقوله سبحانه الينا للتنصيص على كون مرجع الظل اليه عز وجل لايشاركه حقيقة أحد في إزالته كما أن حدوثه منه سبحانه لايشاركه حقيقة فيه أحد وثم يحتمل أن تكون للتراخي الزماني وأن تكون للتراخي الرتبي نحو ما مر ومنه فسر الظل بما كان يوم خلق الله تعالى السماء كالقبة ودحا الأرض من تحتها فالقت ظلها عليها جعل معنى ثم جعلنا الخ ثم خلقنا الشمس وجعلناها مسلطة على ذلك الظل وجعلناها دليلا متبوعا له كما يتبع الدليل في الطريق فهو يزيد وينقص ويمتد ويقلص ثم قبضناه قبضا سهلا لا عسر فيه ويحتمل أن يكون قبضه عند قيام الساعة بقرينة الينا وكذا يسيرا وذلك بقبض أسبابه وهي الأجرام التي تلقي الظل فيكون قد ذكر اعدامه باعدام أسبابه كما ذكر إنشاءه بانشاء أسبابه والتعبير بالماضي لتحققه ولمناسبة ما ذكر معه وثم للتراخي الزماني وفيه ما فيه كما أشرنا اليه وهو الذي جعل لكم الليل لباسا بيان لبعض بدائع آثار قدرته عز وجل وروائع أحكام رحمته ونعمته الفائضة على الخلق وتلوين الخطاب لتوفية مقام الامتنان حقه واللام متعلقة بجعل وتقديمها على مفعوليه للاعتناء ببيان كون ما بعد من منافعهم وفي تعقيب بيان أحوال الظل ببيان أحكام الليل

فتح القدير – الشوكاني ج4/ص79
ألم تر إلى ربك كيف مد الظل هذه الرؤية إما بصرية والمراد بها ألم تبصر إلى صنع ربك أوألم تبصر إلى الظل كيف مده ربك وإما قلبية بمعنى العلم فإن الظل متغير وكل متغير حادث ولكل حادث موجد قال الزجاج ألم تر ألم تعلم وهذا من رؤية القلب قال وهذا الكلام على القلب والتقدير ألم تر إلى الظل كيف مده ربك يعنى الظل من وقت الإسفار إلى طلوع الشمس وهو لا شمس معه وبه قال الحسن وقتادة وقيل هو من غيبوبة الشمس إلى طلوعها قال أبو عبيدة الظل بالغداة والفىء بالعشى لأنه يرجع بعد زوال الشمس سمى فيئا لأنه فاء من المشرق إلى جانب المغرب قال حميد ابن ثور يصف سرحة وكنى بها عن امرأة
فلا الظل من برد الضحى تستطيعه
ولا الفىء من برد العشى تذوق
وقال ابن السكيت الظل ما نسخته الشمس والفىء مانسخ الشمس وحكى أبو عبيدة عن رؤبة قال كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فىء وظل ومالم تكن عليه الشمس فهو ظل انتهى وحقيقة الظل أنه أمر متوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة وهذا التوسط هو أعدل من الطرفين لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع وينفر عنها الحس والضوء الكامل لقوته يبهر الحس البصرى ويؤذي بالتسخين ولذلك وصفت الجنة به بقوله وظل ممدود وجملة ولو شاء لجعله ساكنا معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه أى لو شاء الله سبحانه سكونه لجعله ساكنا ثابتا دائما مستقرا لاتنسخه الشمس وقيل المعنى لو شاء لمنع الشمس الطلوع والأول أولى والتعبير بالسكون عن الإقامة والاستقرار سائغ ومنه قولهم سكن فلان بلد كذا إذا أقام به واستقر فيه وقوله ثم جعلنا الشمس عليه دليلا معطوف على قوله مد الظل داخل فى حكمه أى جعلناها علامة يستدل بها بأحوالها على أحواله وذلك لأن الظل يتبعها كما يتبع الدليل فى الطريق جهة أنه يزيد بها وينقص ويمتد ويتقلص وقوله ثم قبضناه معطوف أيضا على مد داخل فى حكمه والمعنى ثم قبضنا ذلك الظل الممدود ومحوناه عند إيقاع شعاع الشمس موقعه بالتدريج حتى انتهى الإظلال إلى العدم والاضمحلال وقيل المراد فى الآية قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهى الأجرام النيرة والأول أولى والمعنى أن الظل يبقى فى هذا الجو من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فإذا طلعت الشمس صار الظل مقبوضا وخلفه فى هذا الجو شعاع الشمس فأشرقت على الأرض وعلى الأشياء إلى وقت غروبها فإذا غربت فليس هنالك ظل إنما فيه بقية نور النهار وقال قوم قبضه بغروب الشمس لأنها إذا لم تغرب فالظل فيه بقية وإنما يتم زواله بمجىء الليل ودخول الظلمة عليه وقيل المعنى ثم قبضنا ضياء الشمس بالفىء قبضا يسيرا ومعنى إلينا أن مرجعه إليه سبحانه كما أن حدوثه منه قبضا يسيرا أي على تدريج قليلا قليلا بقدر ارتفاع الشمس وقيل يسيرا سريعا وقيل المعنى يسيرا علينا أى يسيرا قبضه علينا ليس بعسير

معاني القرآن – النحاس ج5/ص30
وقوله جل وعز ألم تر إلى ربك كيف مد الظل آية 45
ترى ههنا في موضع تعلم
ويجوز أن يكون من رؤية العين
قال الحسن وأبو مالك وإبراهيم التيمي وقتادة والضحاك في قوله تعالى ألم تر إلى ربك كيف مد الظل هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس
ثم قال تعالى ولو شاء لجعله ساكنا آية 45
قال الحسن أي لو شاء لتركه ظلا كما هو
وقال الضحاك أي لو شاء لجعل النهار كله ظلا
وقال قتادة ساكنا أي دائما
ثم جعلنا الشمس عليه دليلا أي تتلوه وتتبعه
ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا روى سفيان عن عبد العزيز بن رفيع عن مجاهد يسيرا أي خفيا
وقال الضحاك سريعا
وقال أبو مالك وإبراهيم التيمي قبضا يسيرا هو ما تقبضه الشمس من الظل
قال أبو جعفر قول مجاهد أولى في العربية وأشبه بالمعنى لما نذكره
وصف الله جل وعز لطفه وقدرته فقال ألم تر إلى ربك كيف مد الظل أي ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس كما قال أهل التفسير وبينته لك في قوله جل وعز في وصفه الجنة وظل ممدود
ثم قال سبحانه ولو شاء لجعله ساكنا آية 45
أي دائما كما في الجنة ثم جعلنا الشمس عليه دليلا أي تدل عليه وعلى معناه لأن الشيء يدل على ضده فيدل النور على الظلمة والحر على البرد
وقيل دالة على الله عز وجل
ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا أي إذا غابت الشمس قبض الظل فبضا خفيا كلما قبض جزء منه جعل مكانه جزء من الظلمة وليس يزول دفعة واحدة فهذا قول مجاهد
وقول أبي مالك وإبراهيم التيمي أن المعنى ثم قبضنا الظل بمجيء الشمس
ويذهبان إلى أن معنى يسيرا سهلا علينا

أضف تعليقاً